حين يحصل الطالب اللبناني في اختبار العلوم على 372 نقطة مقابل 482 كمعدل لدول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) في البرنامج الدولي لتقييم الطلاب، من السهل أن نختصر الخبر بعنوان من نوع: «لبنان يتراجع تربويًا». لكن الأرقام التي كشفت عنها نتائج PISA 2025 تستحق قراءة أعمق بكثير. فالمشكلة ليست في ترتيب لبنان على جدول دولي، ولا في مقارنة طالب لبناني بآخر في سنغافورة أو اليابان. السؤال الحقيقي هو: ماذا يستطيع طالبنا، في الخامسة عشرة من عمره، أن يفعل بما تعلّمه؟ وهنا تحديدًا تكمن أهمية اختبار PISA. فهذا الاختبار، الذي تنظمه منظمة OECD دوريًا ويستهدف طلابًا في سن الخامسة عشرة، لا يسألهم ببساطة عمّا حفظوه من كتبهم المدرسية. في دورة 2025، التي كان محورها الأساسي العلوم، اختبر PISA قدرة الطالب على تفسير الظواهر علميًا، وقراءة الأدلة، وتقييم المعلومات، واستخدام المعرفة في مواقف غير مألوفة. كما قاس القراءة والرياضيات، وأدخل بصورة موسعة مهارات حل المشكلات الحاسوبية والتعلّم في البيئة الرقمية. بمعنى آخر، لا يسأل PISA الطالب: «ماذا تعرف؟» فقط، بل يسأله: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟ ومن هنا تصبح نتائج لبنان مقلقة. بلغ متوسط الطلاب اللبنانيين 372 نقطة في العلوم، مقابل 482 في دول OECD. وفي الرياضيات سجّل لبنان 377 نقطة مقابل 463، وفي القراءة 331 نقطة فقط مقابل 461. أما في حل المشكلات الحاسوبية، فسجّل الطلاب اللبنانيون 358 نقطة مقابل 500. لكن المتوسطات وحدها لا تكشف حجم المشكلة. ففي العلوم، يقع 66% تقريبًا من الطلاب اللبنانيين دون المستوى الثاني، وهو المستوى الذي تعتبره PISA الحد الأدنى للكفاءة العلمية الوظيفية. وفي الرياضيات، لا يصل إلى هذا الحد سوى 31% من الطلاب. أما الرقم الأكثر إيلامًا، فهو في القراءة: 22% فقط من الطلاب اللبنانيين في سن الخامسة عشرة يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءة القرائية بحسب معايير PISA. وهنا ربما يبدأ النقاش الحقيقي. قد يبدو غريبًا أن تكون الإجابة عن ضعف لبنان في اختبار العلوم هي: القراءة. لكن العلوم الحديثة لا تُتعلّم من خلال حفظ تعريف «القوة» أو «الخلية» أو «التفاعل الكيميائي» فقط. الطالب يحتاج إلى قراءة نص، وفهم معطيات، والتمييز بين معلومة وادعاء، وربط أكثر من مصدر، واستخراج دليل، وبناء استنتاج ثم الدفاع عنه. والأمر نفسه في الرياضيات. فالمشكلة الرياضية اليوم ليست دائمًا عملية حسابية جاهزة؛ قد تكون موقفًا حياتيًا يحتاج الطالب أولًا إلى فهمه وتحويله إلى نموذج رياضي. لذلك، حين يصل ثلاثة أرباع طلابنا تقريبًا إلى الخامسة عشرة من دون امتلاك الحد الأدنى المطلوب من الكفاءة القرائية، تصبح القراءة مشكلة أستاذ الفيزياء والرياضيات والتاريخ والجغرافيا بقدر ما هي مشكلة أستاذ اللغة. ربما نحتاج، لهذا السبب، إلى الانتقال من مفهوم «تعليم القراءة» في الصفوف الأولى إلى مفهوم أوسع هو «القراءة من أجل التعلّم» في جميع المراحل والمواد. لا يمكن قراءة نتائج PISA اللبنانية خارج السنوات الست الأخيرة. فالطالب الذي جلس أمام اختبار PISA في 2025 كان في التاسعة أو العاشرة من عمره تقريبًا عندما بدأت أزمة 2019، ثم جاءت جائحة كورونا وإقفال المدارس، والانهيار الاقتصادي، والإضرابات المتكررة، وتراجع القدرة الشرائية للمعلمين، واضطراب انتظام العام الدراسي، وانفجار بيروت، ثم الحرب والنزوح وإقفال مدارس أو استخدامها كمراكز إيواء. هذه ليست خلفية اجتماعية للنتائج؛ إنها جزء من تفسير النتائج نفسها. يقدّر البنك الدولي أن طلاب المدارس الرسمية في لبنان تلقوا خلال أربعة أعوام دراسية مضطربة بين 2019 و2023 نحو 270 يومًا فقط من التعليم الحضوري، بدلًا من نحو 600 يوم في أربعة أعوام مدرسية عادية. كما أشارت تقديرات البنك إلى خسارة تعلّم تعادل تقريبًا سنة إلى 1.2 سنة من سنوات التعلّم المعدّلة بحسب الجودة. وهنا يجب التمييز بين مفهومين كثيرًا ما نخلط بينهما: الفاقد التعليمي وفقدان التعلّم. التلميذ الذي يخسر مئة يوم مدرسي، لا يتعافى بمجرد تعويض حصص أو أعادة تعليم. فإذا لم يتقن الكسور في صف معين، دخل الصف التالي وهو غير قادر على فهم النسب. وإذا كانت قراءته ضعيفة، أصبح فهم نصوص العلوم أصعب. ثم تتراكم الفجوة سنة بعد أخرى. إنها أشبه بفائدة مركبة، ولكن بالاتجاه المعاكس. ولهذا لا يمكن معالجة سنوات من فقدان التعلّم بمجرد إعادة فتح المدارس واستكمال المنهج. العودة إلى المدرسة لا تعني تلقائيًا استعادة التعلّم. ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق الانتباه. قد نفترض أمام هذه النتائج أن الطالب اللبناني فقد رغبته في التعلّم. لكن بيانات PISA تقول شيئًا مختلفًا. نحو 69% من الطلاب اللبنانيين يقولون إنهم يحبون تعلّم أشياء جديدة في المدرسة، وهي نسبة تكاد تطابق معدل OECD. ونسبة الذين يقولون إنه