كما كان متوقعاً، بدأت الساحة السنّية في لبنان تتفاعل بشكل سلبي مع قرار المجلس الدستوري وقف تنفيذ قانون العفو العام، استجابة للطعن المُقدّم من النائب جبران باسيل وتكتّل "لبنان القوي"، ما أشعل حالة من الغليان السياسي والشعبي. وبعد أن أحدث قرار التجميد صدمة سلبية في الشارع السني، أثار سريعاً موجة تنديد عارمة شملت عدداً من القيادات الدينية والخطباء والنواب والمرجعيات السياسية، كما تمددت إلى داخل السجون، بالإضافة إلى التوجه الحكومي الرسمي، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من أن عرقلة القانون وتجاهل المظلومية المتراكمة قد تحول الطعن القضائي إلى طعن مباشر في العيش المشترك والسلم الأهلي. مواقف عالية السقف لخطباء الجمعة: الطعن "فتيل فتنة" في المشهد الديني برزت مواقف عالية السقف أطلقها عدد من الخطباء في لبنان أمس الجمعة بعد تعليق المجلس الدستوري لقانون العفو العام، حيث تصدّرت منابر المساجد الواجهة في التعبير عن حجم الغضب والرفض لهذا الإجراء. فقد هاجم مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا الطاعنين بالقانون، مؤكداً أن المطالبة بالعفو حظيت بإجماع ديني وحقوقي من مفتي الجمهورية والنواب والعلماء، ونشأت بسبب سوء المحاكمات والمظلومية المتراكمة داخل السجون تحت مظلة المحكمة العسكرية. واستغرب زكريا - خلال خطبة الجمعة - تحرك بعض النواب لتقديم طعن لإيقاف القانون بدلاً من التحرك لتأمين الطبابة والخدمات للمواطنين، لافتاً إلى استمرار التساهل مع من اجتازوا الحدود وحملوا السلاح وساهموا في سفك الدماء وقتل الأبرياء في سوريا بينما يُضيّق الخناق على غيرهم حسب تعبيره، مؤكداً أن الشارع والناخبين سيحاسبون الطاعنين في صناديق الاقتراع. وفي خطبة حادة أكّد الرئيس السابق لـ "هيئة علماء المسلمين" في لبنان وخطيب مسجد التقوى بطرابلس، الشيخ الدكتور سالم الرافعي، أن قانون العفو العام يشكّل مدخلاً أساسياً ومفصلياً لتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة ضبط العلاقة بين مختلف المكونات في البلاد، محذراً المجلس الدستوري من خطورة التجاوب مع الطعون المرفوعة ضد القانون أو المماطلة في إقراره. وأوضح الرافعي، خلال خطبة الجمعة، أن المطالبة بالعفو العام لم تكن خياراً عابراً، بل جاءت نتيجة عقود من المعاناة والمظلومية الناجمة عن عدم إنصاف الشباب في الأحكام القضائية، معتبراً أن عدداً من تلك الأحكام صَدَرَ عن خلفيات طائفية ومذهبية وافتقرت لأدنى مقومات العدالة. وشدّد الرافعي على أن استمرار احتجاز الموقوفين لسنوات طويلة يعكس حجماً كبيراً من الإجحاف، متطرقاً إلى تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية داخل السجون والإهمال الطبي الذي أدى لوفاة عدد من الموقوفين نتيجة أمراض مستعصية دون تقديم العلاج اللازم لهم. وفيما أشاد الرافعي بإقرار المجلس النيابي للقانون وتوقيع رئيس الجمهورية عليه كخطوة أولى نحو الإنصاف، انتقد بشدة المطالبين بتعطيله، لافتاً إلى ما وصفه بالتناقض والكيل بمكيالين، حيث جرى التغاضي سابقاً وصدرت قوانين عفو خاص عن متورطين في قضايا إتجار بالمخدرات وغيرها، بينما تُمارس الضغوط اليوم لمنع رفع الظلم عن باقي الموقوفين. ووجّه الرافعي رسالة مباشرة إلى أعضاء المجلس الدستوري، حثهم فيها على البتّ السريع في قضية العفو العام وعدم إيقاف تنفيذه، مؤكداً أن العفو ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو خطوة أولى نحو المصالحة مع الطائفة السنية، مشيراً إلى أن عرقلته تعطي إشارات سلبيّة بعدم الرغبة في التصالح أو إرساء شراكة حقيقية في البلاد، وختم خطبته قائلا: "سيكون لنا رأي عندها فلذلك نتمنى على القيمين على المجلس الدستوري أن ينتبهوا لخطورة ما هم قادمون عليه". من جهته، اعتبر إمام جامع "أم المؤمنين" بعكار، الشيخ أحمد الشمالي، أن الطعن المُقدّم يمثّل "خطوة خطيرة تُهدّد بنسف الاستقرار ونشر الفتنة"، موجّهاً نداءً عاجلاً للرؤساء الثلاثة بالتدخل السريع لإطفاء هذا الفتيل. ووصف الشمالي الإصرار على الطعن وتعمّد تأخير إخراج الموقوفين الإسلاميين بأنه "إعلان حرب على سنة لبنان" ينزع عن الدولة دورها الراعي للجميع. الحجار يجدد دعم القانون: متمسكون بإقرار العفو على المستوى الحكومي، جاء موقف وزارة الداخلية والبلديات ليؤكد الدعم الرسمي للقانون؛ إذ جدّد الوزير أحمد الحجار في تصريح صحفيٍ تأكيد موقف الحكومة الداعم لإقرار العفو العام، مشيراً إلى أن هذا الموقف ينطلق من ضرورة رفع الظلم حيثما وجد، ومعالجة الأوضاع المعقدة التي تعاني منها السجون. وأوضح الحجار أن مجلس النواب اتخذ قراراً بإقرار القانون، إلا أن تقديم طعن أمام المجلس الدستوري أدى إلى وقف العمل به مؤقتاً لحين صدور الحكم النهائي، مؤكداً أن التوجه الحكومي كان وما يزال يصب في مصلحة إقرار العفو العام كخطوة أساسية لرفع المظالم وتحسين واقع السجون من الناحية الإنسانية. مواقف نيابية حادّة: رفض لـ