قبل نحو شهر، صعدتُ إلى حيث كان الأباتي بولس نعمان. لم أصعد إليه طالبًا موقفًا، ولا سائلًا عن معلومة، ولا باحثًا عن صورةٍ أضيفها إلى أرشيف الذكريات. صعدتُ إليه لسببٍ أبسط، وربما أعمق: أردتُ أن أرى، ولو لساعة، لبنان الذي طالما حدّثني عنه أبي. كنت أريد أن أرى ذلك الزمن في وجه رجلٍ عاشه.جلستُ أمام الأباتي بولس نعمان. وفي تلك اللحظة، لم يكن الجالس أمامي مجرّد راهبٍ ومؤرخٍ ورئيسٍ سابقٍ للرهبانية اللبنانية المارونية؛ كان شاهدًا حيًّا على لبنانٍ كامل، لبنان الذي لم يعرفه جيلي إلا من حكايات الآباء، ومن صورٍ قديمة، ومن أسماءٍ كانت تتكرر في مجالس الكبار من دون أن ندرك دائمًا لماذا كانت تلك الأسماء ثقيلةً إلى هذا الحد. لم يكن اللقاء طويلًا بما يكفي لاستعادة زمنٍ كامل.لكنه كان طويلًا بما يكفي لأفهم أن بعض الرجال لا يعودون، من فرط ما عاشوا، أفرادًا منفصلين عن الزمن؛ يصبحون جزءًا من ذاكرة المكان الذي عاشوا فيه.. وبعد نحو شهر، رحل الأباتي بولس نعمان. فجأةً، اكتسب ذلك اللقاء معنى آخر. لم أعد قد جلست أمام رجلٍ يتحدث عن الماضي؛ كنت قد جلست أمام الماضي نفسه، قبل أن يغلق عينيه ويرحل. كان بولس نعمان من أولئك الذين لم يتعاملوا مع التاريخ بوصفه مقبرةً للأحداث. كان يعرف أن التاريخ ليس ما انتهى، بل ما يبقى أثره في الإنسان بعد أن تنتهي الحوادث. وكان يعرف أن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس أن يفقد بعض وثائقه، بل أن يفقد الرجال الذين يستطيعون أن يقولوا: لقد كنا هناك. ولهذا لم تكن الكتابة عنده ترفًا ثقافيًا، ولا التأريخ تمرينًا على استعادة السنوات. كان يدرك أن الأمة التي تفقد قدرتها على تذكّر نفسها تصبح عرضةً لأن يعاد تعريفها من خارج ذاكرتها. وكان هو نفسه واحدًا من تلك الذاكرة. رجلًا عاش لبنان في أكثر مراحله قسوةً وتعقيدًا، من دون أن يسمح للزمن بأن يحصره في وظيفةٍ واحدة أو في صورةٍ واحدة. كان راهبًا، وكان مؤرخًا، وكان حاضرًا في الشأن العام؛ لا لأن السياسة كانت غايةً لديه، بل لأن الإنسان كان غايةً تستدعي المسؤولية. ولذلك لم يرَ في الحياة الروحية بابًا يُغلق وراء الإنسان على العالم، ولم يرَ في التاريخ انفصالًا عن الحاضر، ولم يرَ في الثقافة ترفًا لا مكان له حين تضطرب الأوطان. كان يعرف أن الثقافة، حين يصبح الجهل خطرًا عامًا، تصبح دفاعًا عن الإنسان؛ وأن التاريخ، حين تصبح الذاكرة موضع صراع، يصبح مسؤولية؛ وأن الإيمان، حين يواجه الإنسان محنته، لا يستطيع أن يكتفي بمراقبته من بعيد. لكن بولس نعمان لم يكن بداية الحكاية. فثمة جيلٌ سبقه كان قد بدأ، في قلب العاصفة، ببناء شيءٍ أبعد من ردّ الفعل الآني على الحرب. في عهد الأباتي بطرس قزي، نشأت في الكسليك لجنة البحوث، بمشاركة نخبة من الرهبان والعلمانيين، وكانت مساحةً فكريةً تبحث في مستقبل لبنان، وتلتقي دوريًا مع الجبهة اللبنانية، لا لتبحث فقط في كيفية عبور اللحظة، بل في السؤال الأصعب: أي لبنان ينبغي أن يخرج من هذه المحنة؟ لأن الحرب كثيرًا ما تدفع المجتمعات إلى التفكير في كيفية النجاة من يومها، بينما كان هناك من يحاول التفكير في اليوم الذي يليها. لم يكن السؤال: كيف يُربح الصراع فحسب؟ كان السؤال: ماذا يُبنى بعد الصراع؟ وفي مكتب الأباتي بطرس قزي تأسست جبهة الحرية والإنسان؛ وهو اسمٌ يحمل في ذاته شيئًا من فلسفة تلك المرحلة: الحرية ليست شعارًا بلا إنسان، والإنسان لا يُصان إذا صودرت حريته. غير أنّ و بعد رئاسته، لم يتوقّف الأباتي قزّي من العمل إلى جانب الشّباب المسيحي حتّى أنّه دعم و أشرف تأسيس المرشدية الرّوحية في القوات اللّبنانية لتهذيب روح المقاتلين و إرشادهم كي لا يقعوا في بؤرة الحرب الهمجيّة. و كان شعارها : " البارودي اللّي ما في وراها مؤمن، في وراها مجرم " كانت تلك المحاولات، في جوهرها، محاولةً لإنتاج رؤيةٍ للبنان وسط الانهيار؛ رؤية لا تكتفي بردّ الخطر، بل تحاول أن تفهم البلاد التي ستبقى بعد أن ينقشع غبار الحرب. وفي عام ١٩٧٦، انعقدت خلوة دير سيدة البير، بعد اجتماعاتٍ فكرية مطوّلة جمعت بين الجبهة اللبنانية ولجنة البحوث في الكسليك، التي ضمّت رهبانًا وعلمانيين من النخبة الفكرية. وكانت أهمية تلك الخلوة تتجاوز ظرفها السياسي المباشر. ففي قلب حربٍ كان يمكن أن تدفع اللبنانيين إلى الاحتماء بالهويات الأولية، برز اتجاهٌ فكري يصرّ على شيء أكثر صعوبة: أن يكون الدفاع عن الحرية دفاعًا عن الإنسان، لا امتيازًا لجماعة؛ وأن يكون الحفاظ على الوجود المسيحي جزءًا من الحفاظ على لبنان التعددي، لا مشروعًا لبناء وطنٍ أحادي الهوية. هناك ترسخت، في النقاشات التي أحاطت بتلك المرحلة، فكرة التعددية ورفض الأحادية، ورفض اختزال لبنان في مفهوم «الوطن المسيحي» بالمعنى الذي اتّهمت به الجبهة من قِبل الآخرين. كان المنطق أكثر رحابةً من ذل