تواجه السعودية واحدة من أشد لحظات الضغط الأمني في تاريخها الحديث، بعدما باتت طرق تصدير النفط الثلاثة التي تعتمد عليها المملكة مهددة في وقت واحد: مضيق هرمز شرقاً، وباب المندب جنوباً، وخط الأنابيب البري الممتد إلى البحر الأحمر. وبحسب تحليل للصحافي يوئيل غوزانسكي في موقع "إسرائيل هيوم"، تتقاطع التهديدات الآتية من اتجاهات مختلفة عند نقطة واحدة، هي قدرة الرياض على حماية صادراتها النفطية، التي تشكّل الشريان الاقتصادي الأساسي للمملكة. فمن الشرق، تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز اضطرابات متزايدة، وسط احتمال تجدد الحرب مع إيران في أي لحظة. ومن الجنوب، استأنف الحوثيون مهاجمة الأراضي السعودية ووسّعوا سيطرتهم في محيط باب المندب. أما من الشمال، فقد استهدفت فصائل موالية لإيران في العراق خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، ما اضطر الرياض إلى وقف تشغيله. وكان هذا الخط بمثابة بوليصة تأمين للسعودية، إذ يتيح نقل النفط إلى البحر الأحمر عند تعذر المرور عبر مضيق هرمز. لكن استهدافه جعل الطريق البديل نفسه عرضة للخطر، ووضع المملكة أمام معضلة غير مسبوقة: هرمز وباب المندب والممر البري إلى البحر الأحمر تحت الضغط في وقت واحد. وفي هذا السياق، يأتي الاجتماع المرتقب في سلطنة عُمان بين وزراء خارجية دول الخليج ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في ظل مساعٍ تقودها مسقط وطهران للتوصل إلى ترتيب مؤقت يخفف القيود على الملاحة في هرمز. ولا تنظر الدول الخليجية إلى هذا المسار باعتباره تقارباً مع إيران، بل خطوة اضطرارية في ظل تقلص الخيارات. وهي تدرك أن أي تفاهم مع طهران لن يعالج أصل المشكلة، لأن إيران ستبقى قادرة على تعطيل هرمز، فيما يواصل الحوثيون تهديد باب المندب. لكنه يبقى، وفق التحليل، حلاً جزئياً لمواجهة أزمة أشد خطورة. وتزداد الضغوط على السعودية بسبب الموقف الأميركي. فوفق تقارير، طلبت الرياض من واشنطن مساعدتها في مواجهة الحوثيين ووقف تقدمهم في منطقة باب المندب، لكن الرئيس دونالد ترامب لم يستجب لطلب التدخل العسكري المباشر. وترى السعودية في هذا الموقف رسالة مقلقة، إذ إن حليفتها الرئيسية لا تبدو مستعدة للتحرك بالطريقة التي تنتظرها الرياض، في وقت تتعرض فيه المملكة لهجمات من جبهات متعددة وتواجه طرق تصديرها خطر التعطيل. ولهذا، تحمل المحادثات في عُمان رسالة أيضاً إلى واشنطن. فالدول الخليجية لا تنتقل إلى المعسكر الإيراني، لكنها لن تنتظر الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية. وإذا لم توفر واشنطن مخرجاً للأزمة، فقد تضطر هذه الدول إلى البحث عنه بنفسها، ولو عبر تفاهمات جزئية وإشكالية مع طهران. في المقابل، تسعى إيران إلى استثمار المأزق الخليجي، ليس فقط لتخفيف القيود المفروضة على موانئها، بل أيضاً لدق إسفين بين الولايات المتحدة وحلفائها. فإذا أصبحت الدول الخليجية بحاجة إلى طهران لإعادة الملاحة إلى طبيعتها، فقد تتحول بنفسها إلى جهة تضغط على واشنطن من أجل تقديم تنازلات لإيران. ويشكّل التصعيد كذلك أول اختبار فعلي لـ"تحالف مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان. فمن السهل إعلان أن الهجوم على أي دولة يُعد هجوماً على الدول الأخرى، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتعرض السعودية فعلياً للضربات، وتصاب منشآت الطاقة، ويصبح باب المندب مهدداً. وعندها سيتضح ما إذا كان التحالف يمنح الرياض قدرات حقيقية أم يقتصر على إعلان التضامن. ويرى الكاتب أن الأزمة تفتح أيضاً فرصة أمام إسرائيل، في ظل تقاطع مصالحها مع السعودية في مواجهة الحوثيين والصواريخ والمسيّرات، وإضعاف الفصائل المرتبطة بإيران، وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر. ويمكن لإسرائيل، وفق التحليل، تقديم مساعدة هادئة للرياض من دون تحويلها إلى استعراض علني أو ربطها بشرط التطبيع. وهكذا، تجد السعودية نفسها محاصرة بين تهديدات متزامنة تستهدف شريانها النفطي، فيما تكشف محادثاتها مع إيران حجم الضائقة، ويفسر الموقف الأميركي بحثها عن بدائل، ويضع تحالفاتها الجديدة أمام أول امتحان جدي.