صدر عن منشورات المنتدى الثقافي الاجتماعي في البقاع كتاب في البدء كان الوطن، في 175 صفحة، ويضم 29 مقالة لـ29 كاتبًا، جمعها وقدّم لها عمر شبلي. والكتاب يفتح أسئلة حول لبنان: تاريخه وهويته، الدولة والسيادة، الطائفية... من الإنصاف أن نقول أن الكتاب كان يحتاج إلى عناية تحريرية أكبر؛ فبين نصوصه تفاوت في المستوى واللغة والعمق... وبعض المقالات متعجّلة أو مثقلة بالتكرار. كما أن الأخطاء الطباعية واللغوية والإخراجية تؤكد الحاجة إلى مراجعة أدق. ولكن الأفكار والمواقف تبقى هي الأهم. والسؤال الذي يفرض نفسه أي لبنان تقترح هذه الصفحات؟ حيث يبدو الوطن فيها حاضرًا في الذاكرة أكثر من حضوره في الواقع؛ مكانًا وطفولة وقرية ومدينة وأرزًا وبحرًا ولغة وأهلًا... ويبدو مشروع دولة لم يكتمل. وهذه من نقاط قوة الكتاب، إذ لا يقدم لبنان من زاوية واحدة وحسب بل من زوايا عدة، حيث هو وطن التعايش والاغتراب، والحرب والنزوح، والدولة المفقودة. تبرز في الكتاب نصوص جميلة تجعل التعايش ممارسة يومية لا شعارًا: قرية تستقبل نازحين، وجيران يتقاسمون الخبز، ومسلم ومسيحي يعيشان في المكان نفسه... وهنا يبدو المواطن العادي أكثر وطنية من الذين يلقون الخطابات؛ ففي المحنة قد يصبح الجار أهم من الطائفة، والبيت الذي يفتح أبوابه للنازح أصدق من الخطابات... لكن كثرة الحديث عن الوحدة الوطنية لا تعني امتلاك تصور واضح لبنائها. فثمّة مقالات تتحدث عن الدولة العادلة وسيادة القانون، من دون تفكيك الآليات التي عطلت قيامها. وتستخدم عبارات مثل «الخارج» و«التدخلات» و«الوصاية» و«الطائفية» و«السلاح»... من دون تحديد كافٍ؛ بالتالي كلما ابتعد النص من تسمية الأشياء فقد جزءًا من قدرته على تفسيرها. وفي معالجة الطائفية، تبحث نصوص في جذورها النفسية والفكرية: الخوف، والانتماء المغلق، والنظر إلى الآخر باعتباره تهديدًا... وفي هذا السياق، تبرز مقالة الدكتور خالد كموني «زيغ الانتماء: الانفصام الأخلاقي: في المدينة الضالة»، أكثر النصوص عمقًا، لاستعانتها بالفارابي وابن خلدون... غير أن العمق نفسه يحمل مشكلة أخرى فثمة أفكار أفرطت في الاصطلاح، حتى بدت موجهة إلى النخبة. فالعمق الحقيقي أن تصل الفكرة إلى القارئ من دون أن تفقد عمقها. في المقابل، تعتمد مقالات أخرى على الحنين والتاريخ والشعر، فتمنح النص جمالًا وجدانيًّا، لكنها لا تجيب على أسئلة الحاضر: لماذا يهاجر اللبناني؟ ولماذا تنهار الدولة؟ ولماذا يصبح السلاح أقوى منها؟ أما الدولة، فهي المفصل الذي تعود إليه معظم المقالات. فالحديث عن الطائفية والاغتراب والفقر والنزوح والتعايش... يقود في النهاية إلى السؤال أين الدولة؟ بعض النصوص ترسم دولة مثالية، لكنها لا تواجه المصالح والسلاح والتوازنات الطائفية والارتباطات الإقليمية التي تعرقل قيامها. هنا تبرز مسألة السلاح و«المقاومة»، وهي من أكثر القضايا التي تكشف تفاوتًا في المواقف. فثمّة نصوص تجعل «المقاومة» قيمة وطنية عليا، بينما تقترب أخرى من حصرية السلاح بيد الدولة. والسؤال، في رأيي، ليس هل مقاومة الاحتلال حق في سياقها التاريخي؟ بل متى تنتهي وظيفتها؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل يمكن قيام دولة كاملة السيادة مع قوة عسكرية تملك قرارًا مستقلًّا عنها؟ فاحترام تضحيات اللبنانيين لا يمنع مساءلة المشروع السياسي المرتبط بالسلاح. ثمّة ثغرة في بعض المقالات: الدعوة إلى السيادة مع تجنب سؤال السلاح، أو جعل موقف سياسي واحد امتحانًا للوطنية، أو إدانة التبعية للخارج من دون تحديدها. مع ذلك، سيكون من التبسيط تحميل السلاح وحده مسؤولية كل ما أصاب لبنان؛ فالطائفية والفساد والمحاصصة والتدخلات والحروب والاحتلالات وسوء الإدارة والانهيار الاقتصادي... شاركت في صناعة المأزق. لكن السلاح خارج الدولة يبقى عنصرًا حاسمًا في سؤال السيادة. وتقدّم نصوصٌ المواطن غالبًا ضحية للطائفة والزعيم والفساد والحرب والهجرة. لكن نصوصًا أكثر شجاعة، تحمّل اللبناني جزءًا كبيرًا من المسؤولية، حيث إنّه يحتمي بطائفته، ويعيد انتخاب من يشتكي منهم، ويبرّر السلاح حين يخدم جماعته ويرفضه حين يخدم خصمه. من هنا، تأتي أهمية النصوص التي ترفض التطبيع مع الفشل، وتدعو إلى إعادة بناء الإنسان وثقته بالدولة. أما الاغتراب، فيظهر بوصفه حبًّا للبنان وشهادة على فشل داخله في آن. فاللبناني يأخذ وطنه معه إلى الخارج، لكن مغادرة الطبيب والمهندس والباحث... تطرح سؤالًا: لماذا لم يجدوا وطنًا يحتفظ بهم؟ ورغم تفاوت المقالات، يضم الكتاب أصواتًا وأفكارًا مؤثرة. وكان يمكن العمل التحريري أن يختصر المتكرر ويبسّط المعقد ويراجع المعلومات والإخراج. في النهاية، لا يقدم الكتاب جوابًا واحدًا، بل مرآة متعددة الوجه: وطنًا جميلًا وموجوعًا ومقسّمًا، ووطنًا يبحث عن دولة. وربما تكمن قيمته الأساسية في تحويل عنوانه إلى س