"ليبانون ديبايت" - العميد منير شحادة لم يعد التطور العسكري المتسارع في اليمن مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية اليمنية، ولا مجرد محاولة من أنصار الله لتوسيع مناطق نفوذهم. ما جرى خلال الأيام الأخيرة على الساحل الغربي لليمن نقل الصراع إلى مستوى إقليمي ودولي مختلف، بعدما تمكنت قوات أنصار الله من تحقيق تقدم سريع على امتداد الساحل المطل على البحر الأحمر، والسيطرة على مدينة المخا ومناطق استراتيجية وصولاً إلى محيط باب المندب، مع تقارير عن السيطرة على جزيرة ميون ومناطق في ذُباب. وتكتسب هذه التطورات خطورتها من حقيقة أن اليمن لم يعد يقف عند هامش معادلة أمن الخليج، بل أصبح طرفاً مباشراً في معادلة هرمز ـ باب المندب ، أي في اثنين من أهم الاختناقات البحرية التي تتحكم بجزء أساسي من حركة الطاقة والتجارة العالمية. حققت قوات أنصار الله خلال أيام تقدماً كبيراً على الساحل الغربي، وسيطرت على مدينة المخا، ثم تقدمت باتجاه باب المندب، في وقت تحدثت فيه مصادر يمنية عن وصولها إلى ذُباب والسيطرة على جزيرة ميون الاستراتيجية. وهذا التطور ليس عادياً ، فالمخا تقع في موقع حساس للغاية بالنسبة إلى باب المندب، بينما تشكل ميون نقطة استراتيجية في قلب المضيق تقريباً. إن السيطرة على ميون وذُباب تمنح أنصار الله موقعاً بالغ الأهمية للضغط على حركة السفن في باب المندب، وهو المضيق الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. في ١١ أيلول سيطر أنصار الله على كامل الساحل اليمني للبحر الأحمر، ووصول تقدمهم إلى جزر باب المندب، فيما أكدت مصادر حكومية وشهود استمرار الانهيار السريع في خطوط القوى المدعومة من السعودية. وبالتالي، فإن المسألة لم تعد مجرد تقدم بري لأنصار الله، بل انتقالهم إلى السيطرة على الجغرافيا التي تتحكم بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر. لماذا انهارت القوات المدعومة من السعودية بهذه السرعة؟ فالتقدم الحوثي لا يمكن تفسيره فقط بزيادة القوة النارية لأنصار الله. المسألة تتعلق أيضاً بطبيعة المعسكر المقابل. القوى المناهضة لأنصار الله في اليمن عانت طوال سنوات الحرب من تعدد مراكز القرار، وتباين المصالح بين الحكومة المعترف بها دولياً والقوى الجنوبية والقوات المدعومة من السعودية والإمارات، إضافة إلى الخلافات المحلية والمناطقية. في المقابل، استطاع أنصار الله بناء منظومة عسكرية أكثر تماسكاً، تجمع بين القيادة المركزية، والخبرة الطويلة في حرب الجبال، والطائرات المسيًّرة والصواريخ، والقدرة على العمل في بيئة حرب استنزاف طويلة. و يعتبر الدعم الإيراني، بما في ذلك السلاح والمشورة والتوجيه العملياتي، عاملاً مهماً في نجاح العملية الأخيرة، فيما تنفي طهران أنها تدير العمليات العسكرية بصورة مباشرة. لكن اختزال الانتصار في (الدعم الإيراني) وحده سيكون تبسيطاً مخلَّاً. الانتصار يحتاج إلى قيادة، وقوة بشرية، وقدرة على المناورة، ومعرفة بالجغرافيا، وخصم يعاني من التفكك. المفارقة السعودية: أنفقت الرياض سنوات في اليمن… ثم وجدت أن باب المندب أصبح مهدداً المفارقة الكبرى أن السعودية تدخلت عسكرياً في اليمن عام ٢٠١٥ بهدف منع أنصار الله من السيطرة على الدولة اليمنية ومنع تحول اليمن إلى منصة تهديد للأمن السعودي. لكن بعد أكثر من عقد على بدء الحرب، تجد الرياض نفسها أمام وضع أكثر تعقيداً: أنصار الله أصبحوا أقرب إلى باب المندب مما كانوا عليه في أي وقت مضى. بل إن الخطر لم يعد مقتصراً على الحدود السعودية ـ اليمنية. فالتقارير الأخيرة تتحدث عن استهدافات طاولت منشآت نفطية في جنوب السعودية و إصابة ٧٣ شخصاً في الهجمات التي شملت أبها وجازان ونجران وخميس مشيط، إضافة إلى اندلاع حرائق في منشآت نفطية. وهنا انتقلت الحرب من محاولة السعودية منع الخطر بعيداً عن أراضيها إلى مواجهة خطر قادر على التأثير في اقتصادها وصادراتها النفطية وممراتها البحرية. والأخطر أن وكالة الطاقة الدولية، ، قدرت أن إمدادات السعودية من النفط الخام هبطت في آب إلى نحو ٦ ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، مع تراجع كبير في الشحنات عبر البحر الأحمر. لماذا رفض ترامب طلب محمد بن سلمان؟ هذه ربما تكون الرسالة السياسية الأهم في التطورات الأخيرة. بحسب (رويترز)، أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالين بالرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الخميس، طالباً تدخلاً أميركياً وضربات ضد أنصار الله. لكن ترامب لم يوافق على شن ضربات أميركية مباشرة. وبحسب المصادر نفسها، اكتفت واشنطن بعرض المساعدة في مجال المعلومات الاستخبارية وتحديد الأهداف. فواشنطن تدرك أن فتح جبهة أميركية مباشرة في اليمن، بينما تخوض الولايات المتحدة حرباً واسعة مع إيران، يعني عملياً فتح جبهة ثالثة مرتبطة بالجبهة الإيرانية. والسؤال الذي يبدو أن الإدارة ال