بدأت أزمة "تشريج الأيام والدولارات" من شكوك وزير الاتصالات شارل الحاج حيال ايرادات فائتة على الخزينة، لكنها سرعان ما تحولت إلى إشكالية تمس طريقة احتساب صلاحية الخطوط المسبقة الدفع وحق المشترك في الاحتفاظ برقمه من دون أن يضطر إلى شراء رصيد لا يحتاج إليه. فالحديث عن اتجاه لدى وزارة الاتصالات للحد من هذه الآلية أثار بلبلة لدى المشتركين، بعدما بدا في مرحلة أولى وكأن إلغاءها بات أمراً محسوماً، قبل أن يتضح أن المسألة لا تزال قيد البحث ولم يصدر في شأنها أي قرار نهائي. وقال وزير الاتصالات شارل الحاج إن الوزارة لاحظت فروقات في الإيرادات، ما دفعها إلى طلب التدقيق في الملف، وإن التدقيق أظهر وجود "شبكة" تستخدم خدمة وضعت أساساً لتسهيل حياة المواطنين بطريقة غير مخصصة لها، بما يؤدي إلى تسرب جزء من الأموال التي يدفعها المشتركون وعدم وصولها إلى الشركات أو الخزينة. وأوضح أن "الوزارة لم تتخذ أي قرار حتى الآن ولم تحدد موعداً لأي إجراء، في ظل معلومات تتحدث عن ان الوزير طالب من الشركتين زيادة ايراداتهما 50 مليون دولار سنويا. لكن هذا التفسير فتح باباً آخر من الأسئلة أهمها أين يحصل التسرب تحديداً؟ وكيف تتم العملية؟ وما علاقة ذلك بخدمة تحويل الرصيد بين المشتركين؟ فبطاقات التعبئة والأرصدة التي يجري تداولها في السوق تمر أصلا عبر قنوات بيع معروفة، فيما تكون قيمة البطاقات قد سددت للشركة أو مغطاة بضمانات مالية. وتالياً، فإن الإشكالية لا تتعلق، بالضرورة، بوجود أموال مجهولة المصدر، بل بكيفية استخدام آلية التحويل ومن يفيد منها وهوامش الربح التي تنتج عنها. وتزامن الجدل مع توضيح أن شركتي الخليوي لم تكونا على علم مسبق بالتوجه، وأن البحث في الملف بدأ من الوزارة، التي طلبت من الشركتين تقديم مقترحات لمعالجة المسألة. وأكدت مصادر وزارة الاتصالات أن "سلسلة من الاجتماعات المكثفة والمتتالية لدراسة الخيارات، فيما بقيت الصيغة النهائية معلقة على نتائج التدقيق والمقترحات التي ستقدم، مع تأكيد أن الهدف هو حماية إيرادات الدولة ومنع أي مخالفات من دون تحميل المشترك كلفة المعالجة، فيما يضع متابعون لقرارات الوزير في إطار زيادة إيرادات الشركتين. بمعنى آخر، في حال نجح في إلغاء إمكان "تشريج" الأيام والدولارات للخطوط المسبقة الدفع، وحصر المحافظة على صلاحية الخط ببطاقات التعبئة التي توفرها شركتا "ألفا" و"تاتش"، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة المبالغ التي يدفعها المشتركون. فعلى سبيل المثال، إذا أراد شخص تعبئة خطه لمدة سنة، أي اشترى بطاقة سنوية تتيح له المحافظة على صلاحية خطه لمدة عام، فعليه أن يدفع أكثر من 77 دولاراً. أما إذا اشترى هذه الخدمة من بعض المحال التي تقوم بهذا الأمر، فإنها ستكلفه نحو 33 دولاراً فقط. وفي هذه الحالة، تكون الشركة قد حققت إيرادات أكبر من عدد أكبر من المشتركين. فبدلاً من أن يتمكن شخصان، مثلاً، من الإفادة من قيمة بطاقة واحدة أو من الخدمة نفسها بطريقة أقل كلفة، يصبح كل شخص مضطراً إلى شراء البطاقة بالسعر الرسمي. وتالياً، تحصل الشركة على مبلغ أكبر من كل مشترك، ما يؤدي في المحصلة إلى زيادة إيراداتها. يدفع المشترك في لبنان مثلا 3 أو 3.5 دولارات لتمديد صلاحية خطه ولكن أزمة "تشريج الأيام والدولارات" لا تبدو مرتبطة فقط بقرار محتمل من وزارة الاتصالات، بل تكشف أيضاً عن سوق موازية نشأت حول خدمة غير متاحة بهذه الصيغة في معظم أسواق الاتصالات العالمية، حيث باتت مجموعة من التجار وأصحاب التطبيقات تتحكم في توفيرها وتسعيرها للمشتركين، وبادرت إلى رفع هذه الخدمة على الزبائن بمعزل عن شركتي "ألفا" و"تاتش". فبحسب أحد أصحاب المحال التي تبيع خدمات "الأيام والدولارات"، لم ترفع شركتا "ألفا" و"تاتش" أسعار بطاقات التشريج الأساسية، بيد أن أسعار "الأيام"، أي خدمة تمديد صلاحية الخط ارتفعت. ويشير إلى أن كلفة الأيام (30 يوماً) على أصحاب المحال ارتفعت من نحو 150 إلى 160 ألف ليرة إلى نحو 320 ألف ليرة، ما انعكس مباشرة على السعر الذي يدفعه المشترك. وتتم هذه العمليات في جزء كبير منها عبر تطبيقات وسيطة، يديرها تجار يشترون خدمات التعبئة بكميات كبيرة ثم يعيدون توزيعها على المحال. وبحسب صاحب المحل، تحصل الجهات التي تدير هذه التطبيقات على عمولات من عمليات البيع، فيما تتحكم عملياً في وصول خدمة الأيام إلى نقاط البيع وفي السعر الذي تصل به إلى المستهلك. ويعزز هذا الواقع ما يصفه صاحب المحل بأنه "احتكار" في السوق. فالمحال لا تستطيع في كثير من الأحيان شراء الكميات مباشرة من شركتي الاتصالات للحصول على الأسعار الأفضل، لأن ذلك يتطلب حجماً كبيرا جداً من المشتريات، قد يتجاوز 1000 عملية تشريج يومياً. ونتيجة لذلك، تصبح المحال مرتبطة بالتجار وأصحاب التطبيقات الذين يشترون بكميات كبيرة ويعيدون بيع الخدمة، ما يمنح هؤلاء ال