مع رحيل الأباتي بولس نعمان، يُطوى فصلٌ من فصول الحياة العامة المارونية واللبنانية المعاصرة، لكن هذا سيعيد طرح سؤالٍ يزداد إلحاحاً في لبنان: من سيتولى صياغة دورٍ وطنيٍ متماسكٍ للمسيحيين في ظل انهيار الدولة، والاضطرابات الإقليمية، وتزايد وتيرة الهجرة؟ لم يكن نعمان مجرد رجل دينٍ يعلّق على الشؤون العامة. فهو برز كواحدٍ من أكثر الشخصيات الكنسية صراحةً وجرأةً في طرح قضايا التمثيل السياسي للمسيحيين، وسيادة لبنان، والهوية الوطنية، ومستقبل النظام التعددي في البلاد. وغالباً ما عكست مواقفه قناعةً راسخةً بأن مسيحيي لبنان لا يمكنهم حماية مكانتهم عبر الانكفاء نحو القلق الطائفي، أو من خلال التعامل مع لبنان كوطنٍ مؤقتٍ بينما يغادرها الشباب بأعدادٍ متزايدةٍ وبلا عودة. لقد كان طرحه يتطلب ما هو أكثر من ذلك: كان يرى ضرورة أن يظل المسيحيون منخرطين في العمل السياسي، وحاضرين بقوةٍ مؤسسية، وملتزمين بدولةٍ لبنانيةٍ قويةٍ بما يكفي لحماية جميع مواطنيها. هذا الموقف وضع الأباتي نعمان ضمن تيارٍ من الفكر السياسي الماروني الذي لا ينظر إلى الوجود المسيحي باعتباره مسألةً ديموغرافيةً فحسب، بل كركيزةٍ أساسيةٍ لهوية لبنان. ومن هذا المنظور، فإن تآكل النفوذ المسيحي، وإفراغ القرى المسيحية من سكانها بسبب الهجرة، وضعف المؤسسات المستقلة، ليست مجرد همومٍ طائفيةٍ معزولة، بل هي مؤشراتُ تحذيرٍ على تفككٍ وطنيٍ أوسع نطاقاً. تجاوز الدور العام للأباتي نعمان الحدود المألوفة للحياة الكنسية. فقد تحدث عن تداعيات الشلل السياسي، وضعف الدولة، والضغوط التي يواجهها المسيحيون في الشرق الأوسط، وعجز لبنان المتكرر عن تحصين نفسه ضد الصراعات الإقليمية. وتكمن أهميته في الطريقة التي ربط بها بين هذه القضايا جميعاً. بالنسبة لنعمان، لم تكن هجرة المسيحيين اللبنانيين مجرد مأساةٍ اجتماعية، بل كانت دليلاً على فشل البلاد في توفير الأمن والفرص الاقتصادية ومستقبلٍ واعدٍ لمواطنيها. كما أن تراجع سلطة الدولة لم يكن مجرد مشكلةٍ في الحكم والإدارة، بل فتح الباب أمام هياكل سلطةٍ موازيةٍ وأطرافٍ خارجيةٍ للتحكم في قرارات لبنان. كذلك، لم يكن تهميش المسيحيين مجرد ظلمٍ يلحق بطائفةٍ واحدة، بل كان تحدياً للتوازن السياسي والثقافي الدقيق الذي قام عليه لبنان. لقد جعل هذا التفكير منه مرجعاً دائماً للبنانيين الذين آمنوا بأن أزمة لبنان لا يمكن اختزالها في انهيار اقتصادي أو نزاع بين الفصائل السياسية. ففي هذا المنظور، كانت ولا تزال أزمة لبنان وجودية، تمحورت وتتمحور حول قدرة الدولة على البقاء كإطار سيادي مشترك يجمع كافة المكونات المجتمعية. المسألة المسيحية والدولة اللبنانية غالباً ما يُستخدم مصطلح "المسألة المسيحية" في لبنان بمعناه الضيق، وكأنه يقتصر على المقاعد البرلمانية، أو التعيينات في المناصب العليا، أو الحفاظ على النفوذ الطائفي. غير أن رسالة نعمان العلنية كانت أوسع نطاقاً وأشمل أبعاداً. لقد تمحور طرحه مراراً وتكراراً حول مفهومي "البقاء" و"المشاركة". فجوهر وجهة نظره كان يشدد على وجوب عدم التعامل مع المسيحيين كطائفة تنتظر الحماية أو تترقب الرحيل الحتمي، إذ برأيه المسيحيون يظلون ركيزة أساسية في الميثاق السياسي اللبناني، وفي المؤسسات التعليمية والثقافية، وفي الروابط التاريخية التي تجمع لبنان بمحيطه الإقليمي وبالعالم بأسره. لكن هذا الدور لم يكن ليُصان بمجرد الخطابات والشعارات. بل كان ولا يزال يتطلب دولة فاعلة، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وسلطة قضائية تتمتع بالاستقلالية، واقتصاداً يمنح الشباب اللبناني سبباً للبقاء، وقرارات وطنية تُتخذ عبر السلطات الدستورية بدلاً من أن تُفرض من قوى مسلحة أو خارجية. وفي هذا الصدد، التقت هواجس نعمان مع مخاوف العديد من اللبنانيين من مختلف الانتماءات الطائفية الذين يرون في انهيار البلاد نتاجاً لنظام سياسي عاجز (أو غير راغب) في إعطاء الأولوية لمصلحة الدولة. كما انطوت رسالته على تحذير ضمني: فلبنان الذي يُفرغ من شبابه، وتُجرد مؤسساته من فاعليتها، وتُدار شؤونه بمنطق "إدارة الأزمات"، لا يمكنه الحفاظ على تعدديته إلى ما لا نهاية. إن رحيل المسيحيين، شأنهم شأن اللبنانيين من كافة الطوائف، يُضعف قدرة لبنان على البقاء وفياً لهويته: مجتمع متنوع يحكمه التعايش لا الهيمنة. سيُقيَّم إرث نعمان في ضوء الظروف الراهنة التي يواجهها لبنان. فلبنان لا يزال يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية مستفحلة، وضعف في المؤسسات العامة، وقضايا عالقة تتعلق بالسيادة والدفاع الوطني، فضلاً عن الفجوة المتسعة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي اليومي. وبالنسبة للمجتمعات المسيحية على وجه الخصوص، أصبحت الهجرة تمثل في آنٍ واحد استراتيجية للبقاء الفردي وتهديداً وجودياً على الصعيد الوطني؛ إذ تستنزف البلدات والرعايا والمدارس والحياة ال