خطفت طائرة مسيّرة اعتراضية مصرية جديدة أنظار الخبراء في "معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء"، بعدما كشفت القاهرة عنها للمرة الأولى خلال النسخة الثانية من المعرض، التي أقيمت بمدينة العلمين الجديدة شمالي البلاد، من 8 إلى 10 أيلول/سبتمبر الجاري. ويتجاوز الاهتمام بالطائرة إضافة طراز جديد إلى الترسانة المصرية، إذ يسلط الضوء على توجه القاهرة نحو توطين تكنولوجيا أصبحت في صلب الحروب الحديثة، بعدما غيّرت المسيّرات خلال السنوات الأخيرة شكل العمليات العسكرية وحسابات الكلفة والهجوم والدفاع. ووفق الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، صُممت المسيّرة الجديدة، التي أنتجتها مصانع "الهيئة العربية للتصنيع"، كوسيلة اعتراض جوي للتعامل مع الطائرات من دون طيار. وتعتمد الطائرة على السرعة والقدرة على المناورة للوصول إلى الهدف واعتراضه، بما يوفر، وفق الهيئة، وسيلة مرنة ومنخفضة الكلفة لمواجهة هذا النوع من التهديدات الجوية. مسيرة انتحارية مصرية في المعرض. (الهيئة العربية للتصنيع) ويقول رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق في القوات المسلحة المصرية اللواء الدكتور نصر سالم لـ"النهار" إن "إحدى إشكاليات الحروب الحديثة هي ارتفاع كلفتها المادية والبشرية"، مشيراً إلى تقديرات ترى أن كلفة يوم واحد من القتال بين قوتين متعادلتين قد توازي ميزانية تسليح لعام كامل. ويضيف أستاذ العلوم الاستراتيجية في "أكاديمية ناصر للدراسات العليا والاستراتيجية" أن هذه الكلفة "دفعت دولاً عدة، بينها مصر، إلى البحث عن وسائل تخفّض خسائر العمليات العسكرية، وخصوصاً البشرية منها، مع توسع الاعتماد على الضرب من بُعد والأسلحة الذكية". وبحسب سالم، جاءت المسيّرات في امتداد هذا التطور، بعدما اتسع استخدامها في البر والبحر والجو، وتنوعت أدوارها بين الاستطلاع والهجوم والمراقبة والاعتراض. وتبرز هنا أهمية الطائرة المصرية الجديدة، إذ تستهدف واحدة من أبرز معضلات الدفاع الجوي حالياً، وهي الفجوة الكبيرة بين كلفة المسيّرة المهاجمة وكلفة الوسيلة المستخدمة لإسقاطها. ففي بعض الحالات، يمكن أن تكون المسيّرة منخفضة الكلفة، فيما يتطلب اعتراضها صاروخاً يصل سعره إلى مئات الآلاف أو ملايين الدولارات. وتتضاعف المشكلة عندما تُستخدم أسراب من المسيّرات في هجوم واحد، إذ يصبح استنزاف صواريخ الدفاع الجوي جزءاً من معادلة المعركة نفسها. الذكاء الاصطناعي يغيّر المعركة ويشير سالم إلى أن تطور المسيّرات تجاوز زيادة المدى والحمولة، مع تزويد طرازات حديثة بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة التوجيه والتتبع، ما يمنحها قدرة أكبر على إصابة الأهداف وملاحقة الأهداف المتحركة والعمل لمسافات وفترات أطول. ويرى أن انخفاض كلفة إنتاج كثير من المسيّرات مقارنة بالأسلحة التقليدية منحها وزناً متزايداً في ساحات القتال، في وقت تضطر الجهة المدافعة أحياناً إلى استخدام ذخائر اعتراضية تفوق كلفتها ثمن الهدف مرات عدة. ومن هذا المنطلق، تقدم المسيّرات الاعتراضية خياراً مختلفاً، يقوم على مواجهة الطائرات من دون طيار بوسيلة جوية أقل كلفة من عدد من الصواريخ التقليدية المخصصة للاعتراض. ويمتد المنطق نفسه إلى الأنظمة غير المأهولة البحرية، إذ تستطيع زوارق أو مركبات مسيّرة محدودة الكلفة تهديد قطع بحرية تبلغ قيمتها مئات الملايين أو مليارات الدولارات، ما يعيد رسم العلاقة بين كلفة السلاح وقيمة الهدف. وكثفت مصر خلال السنوات الأخيرة جهود توطين صناعة الأنظمة غير المأهولة، بالتوازي مع عقد شراكات مع شركات ودول تمتلك خبرة في هذا القطاع، وفي مقدمها الصين وتركيا. وأثمر هذا المسار مجموعة واسعة من الطرازات ذات الاستخدامات المختلفة، من بينها "حمزة 1" و"حمزة 2" و"حمزة 3"، إلى جانب عائلة "جبار" التي تضم "جبار 150" و"جبار 200" و"جبار 250"، فضلاً عن طرازات ومنظومات أخرى طورتها شركات مصرية. وتمنح المسيّرة الاعتراضية الجديدة هذا المسار بُعداً إضافياً. فالقضية لم تعد مرتبطة بامتلاك مسيرات للاستطلاع أو الهجوم فحسب، إذ تتجه الصناعة المصرية أيضاً إلى الطرف الآخر من المعادلة، أي تطوير وسائل مخصصة لمطاردة المسيّرات وإسقاطها. ومع اتساع استخدام الأسراب والهجمات منخفضة الكلفة في الحروب الحديثة، تصبح القدرة على اعتراض المسيّرات بسلاح أرخص ثمناً جزءاً أساسياً من المنافسة العسكرية، وهي المساحة التي تحاول القاهرة تثبيت حضورها فيها.