في لحظة إقليمية يُعاد فيها رسم خريطة التجارة والممرات البحرية، جاء وضع حجر الأساس لتوسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت ليحمل أكثر من دلالة. المشروع الذي تستثمر فيه مجموعة CMA CGM نحو 100 مليون دولار يرفع قدرة المحطة إلى 3 ملايين حاوية سنوياً، ويعيد طرح بيروت كمنافس في حركة الترانزيت وإعادة التصدير في شرق المتوسط. وفي ظل اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب، تتزايد قيمة المرافئ القادرة على توفير بدائل وخدمات لوجستية موثوقة بين الشرق والغرب. لم يكن المشهد في مرفأ بيروت، أمس، مجرد مناسبة لوضع حجر الأساس لمشروع توسعة محطة الحاويات، بل بدا أقرب إلى إعلان عن محاولة إعادة إدخال المرفأ إلى خريطة المنافسة الإقليمية. بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية وانفجار الرابع من آب 2020، يأتي استثمار بقيمة 100 مليون دولار من مجموعة CMA CGM لتوسيع محطة الحاويات وتحديث بنيتها التحتية، في وقت تعاد فيه صياغة طرق التجارة العالمية والإقليمية تحت تأثير التطورات الجيوسياسية. تقضي الخطة برفع مساحة ساحات المحطة من نحو 45 هكتاراً إلى ما يقارب 75 هكتاراً، وزيادة قدرتها الاستيعابية من نحو 1.2-1.3 مليون حاوية نمطية سنوياً إلى 3 ملايين حاوية، على أن تنجز الأعمال خلال 16 إلى 18 شهراً، مع استهداف استكمال القدرة بالكامل في 2028. وتشمل الاستثمارات رصيفاً جديداً، ومساحات تخزين إضافية، ورافعات متحركة، وبوابة آلية جديدة ومنطقة تفتيش جمركي مجهزة بأجهزة كشف آلية، إضافة إلى معدات مناولة هجينة وموفّرة للطاقة. أهمية المشروع لا ترتبط فقط بحجم الاستثمار أو زيادة عدد الحاويات. مرفأ بيروت هو إحدى البوابات القليلة على الساحل الشرقي للمتوسط التي يمكن أن تؤدي دوراً في خدمة الأسواق اللبنانية والأسواق المجاورة، ولا سيما سوريا والعراق، وأن تشكل نقطة اتصال بين خطوط الملاحة القادمة من آسيا وأوروبا وبين الأسواق الداخلية في المشرق. وهنا تحديداً تكتسب إدارة CMA CGM لمحطة الحاويات أهمية إضافية. فالمجموعة ليست مجرد شركة شحن بحري، بل تعمل عبر منظومة متكاملة تشمل النقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البري والسكك الحديدية. وهي تدير عبر ذراعها المتخصصة محطات ومرافق مرفئية حول العالم، وتخدم 420 ميناءً من أصل 521 ميناءً تجارياً عالمياً، ولديها أكثر من 650 سفينة و250 خطاً ملاحياً، فيما يعمل لديها نحو 160 ألف شخص. وفي لبنان تحديداً، تتمتع المجموعة بحضور عميق وراسخ، وتقول CMA CGM إن وجودها في البلاد يمتد منذ 46 عاماً، وإنها تدير أكثر من 40% من أحجام المناولة في محطتي الحاويات في بيروت وطرابلس، مع أكثر من 2,600 موظف. أزمة الممرات ترفع قيمة المتوسط تأتي توسعة مرفأ بيروت في توقيت مختلف تماماً عن ذلك الذي كان سائداً عند وضع خطط المرافئ قبل سنوات. فقد أصبحت سلامة الممرات البحرية واستمرارية سلاسل الإمداد جزءاً أساسياً من القرار اللوجستي العالمي. فمضيق هرمز، الذي كان تمرّ عبره قبل الأزمة نحو 125 سفينة تجارية يومياً، يشهد حالياً تراجعاً حاداً في حركة العبور. وفي الوقت نفسه، بقي مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس، عرضة لمخاطر أمنية وجيوسياسية متزايدة. هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن مرفأ بيروت سيصبح بديلاً عن هرمز أو باب المندب، ولا أن حركة التجارة العالمية ستتحول إليه. لكنّها تبرز قيمة الموانئ الواقعة على شرق المتوسط، خصوصاً تلك القادرة على تقديم خدمات متطورة وربط البحر بالأسواق البرية. وتدرك شركات الشحن الكبرى أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين المرافئ على أساس قربها الجغرافي، بل على أساس قدرتها على أن تكون عقداً متكاملة في شبكات النقل العالمية: سرعة المناولة، كفاءة التخليص، التخزين، الأمن والسلامة، الربط البري، والخدمات اللوجستية. وهذا ما يفسر أهمية أن تكون CMA CGM، إحدى أكبر مجموعات النقل البحري واللوجستيات في العالم، شريكاً أساسياً في هذه المرحلة من تطوير محطة بيروت. سلام: المرفأ بوابة لبنان إلى المنطقة وفي مراسم وضع حجر الأساس، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن طموح الحكومة هو أن يستعيد مرفأ بيروت دوره في حركة الترانزيت وإعادة التصدير، وأن يصبح مجدداً مركزاً لوجستياً متقدماً في شرق المتوسط يخدم لبنان والدول العربية المجاورة، ويستفيد من إعادة تشكل سلاسل الإمداد وتطور التجارة الإقليمية. وقال إن توسعة محطة الحاويات لا تعني افتتاح توسعة إضافية فحسب، بل "فتح نافذة جديدة للبنان على العالم"، معتبراً أن الهدف هو استعادة المرفأ موقعه الطبيعي كواحد من أبرز مرافئ شرق البحر المتوسط وأحد روافد الاقتصاد اللبناني. واستعاد سلام الدور التاريخي للمرفأ باعتباره صلة وصل بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن بيروت تحولت مع توسع تجارتها إلى بوابة لدمشق وبلاد الشام والعراق وما وراءها، وأن المرفأ شكل ط