منذ بداية معركة علي الطاهر وحتى نهايتها بالانفجار الهائل الذي دمّر جزءاً كبيراً من منشآتها وأنفاقها، رُسمت سيناريوهات كثيرة حول ما جرى فعلاً في تلك التلة. بعضها بقي في إطار القراءة العسكرية لمسار معركة امتدت أسابيع، وبعضها ذهب أبعد، إلى الحديث عن تسوية أو صفقة سمحت بخروج قيادات وعناصر من الحرس الثوري الإيراني من المنشأة قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية.لا شيء حتى الآن يؤكد حصول صفقة من هذا النوع. لكن السؤال بقي مطروحاً: كيف انتهت معركة بدأت بتعهد حزب الله بعدم التخلي عن التلة والقتال فيها حتى النهاية، بخروج القسم الأكبر ممن كانوا داخلها، وبينهم إيرانيون، قبل أن يسيطر الإسرائيليون عليها ويفجروها؟ لفهم ما حصل، لا بد من العودة إلى بداية القصة، إلى اللحظة التي وصلت فيها القوات الإسرائيلية إلى قلعة الشقيف. من هناك، وضع الإسرائيليون أعينهم على علي الطاهر. كانوا يعرفون أن الأمر لا يتعلق بتلة عسكرية عادية، بل بمنشأة واسعة تحت الأرض، تضم أنفاقاً وممرات ومراكز ومخازن، وترتبط على الأرجح بشبكة تتجاوز حدود التلة نفسها. لذلك لم يبدأ الهجوم باقتحام مباشر، بل بعملية طويلة هدفت أولاً إلى كشف أسرار الموقع. نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات كبيرة في محيط قلعة الشقيف، كما في دير ميماس وكفرتبنيت. وبدأت مجموعات منها تتسلل باتجاه محيط علي الطاهر، فيما أرسلت آليات يتم التحكم بها عن بعد للاستكشاف واكتشاف المداخل والتحصينات. وفي مرحلة لاحقة، دفعت إسرائيل بهذه الآليات أكثر باتجاه التلة نفسها، فاستهدف حزب الله إحداها. كان الإسرائيليون يحاولون رسم خريطة لما تحت الأرض قبل أن يدخلوا إليه. في المقابل، كان حزب الله لا يزال متمسكاً بالموقع. وفي اليوم الأخير من الحرب، وقبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حاولت إسرائيل التقدم نحو المنشأة تحت غطاء ناري كثيف. خاض الحزب يومها قتالاً شرساً وأطلق مئات الصواريخ والمسيّرات في محاولة لمنع القوات الإسرائيلية من الوصول إليها. لم تسقط علي الطاهر يومها. لكن بعد وقف إطلاق النار، ومع دخول الضغط الأميركي على خط منع التصعيد الواسع، تغير الأسلوب الإسرائيلي. بدلاً من محاولة اقتحام المنشأة دفعة واحدة، انتقلت إسرائيل إلى استراتيجية القضم التدريجي: تضييق المساحة المحيطة بها، قطع طرق الإمداد، استطلاع المداخل، التقدم نحوها، ثم الانتقال إلى المدخل التالي.وفي الوقت نفسه، كانت تجري محاولات لإيجاد تسوية تجنب الوصول إلى النهاية العسكرية. كان البحث عن صفقة أو صيغة ما يجري بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، لا بدلاً منها. إحدى الصيغ التي جرى تداولها كانت تقضي بخروج حزب الله من علي الطاهر وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني. لكن الجيش، بحسب المعلومات، طالب بضمانات واضحة بألا تدخل إسرائيل إلى المنشأة بعد تسلمها. إسرائيل لم تقدم هذه الضمانات. فشلت الصيغة. إذ تقول مصادر متابعة للموقف الرسمي اللبناني إن لا مؤشرات لديها إلى حصول صفقة سرية لاحقاً. على العكس، تؤكد أن كل الصيغ التي طُرحت انتهت إلى طريق مسدود.في إحدى المراحل، اقترح حزب الله دخول الجيش اللبناني إلى المنشأة، على أن يبقى عناصر الحزب فيها الأمر الذي رفضه لبنان كما رفضته إسرائيل. الجانب الإسرائيلي، فكان مصراً على أن تدخل قواته بنفسها إلى علي الطاهر وأن تدمر المنشأة وما فيها. وكان تقديره أن الجيش اللبناني لا يملك، من وجهة النظر الإسرائيلية، النية أو القدرة على تدمير سلاح حزب الله الموجود فيها وتفجير البنية العسكرية تحت الأرض. وهكذا، بينما كانت الاتصالات تبحث عن مخرج، كان الطوق العسكري يضيق.بعد مرحلة الاستطلاع والآليات التي يتم التحكم بها عن بعد، انتقلت القوات الإسرائيلية إلى خطوة أكثر تقدماً. تحركت قوات عسكرية من الجهة الجنوبية الشرقية، أي من كفرتبنيت، باتجاه طريق التفافية تشرف على منطقتي الخردلي والجرمق. ومن خلال هذه الحركة الالتفافية، تمكن الإسرائيليون من الاقتراب أكثر من قلب المنشأة والوصول إلى مدخلي نفقين. لكن قبل أن يكتمل تطويق علي الطاهر، كانت القوات الإسرائيلية قد حاولت الدخول إلى باطنها. بحسب المعلومات، نفذت وحدات كوماندوس إسرائيلية عمليتين داخل شبكة الأنفاق قبل الدخول الكامل إلى المنشأة. في المرة الأولى، دخلت قوة إسرائيلية إلى نفق من جهة كفرتبنيت، واشتبكت في داخله مع مجموعة من حزب الله. أسفر الاشتباك عن سقوط مقاتلين من الحزب، وتمكن الإسرائيليون من أسر جثث عدد منهم وأخذها معهم. أما العملية الثانية، فكانت من مدخل آخر، في الجهة الشرقية المشرفة على الجرمق. دخلت قوة كوماندوس إسرائيلية ووقع اشتباك جديد. وخلاله، أصيب مستشاران عسكريان إيرانيان كانا موجودين في المنطقة. لكن حزب الله تمكن من إخراجهما. وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة في محاولة إعادة تركيب ما حدث لاحقاً. فبع