كتبت كلير شكر في أساس ميديا:دقائق قليلة فصلت بين كشف هيئة البث الإسرائيلية عن جولة مفاوضات جديدة بين لبنان وإسرائيل ستعقد يومي الثلاثاء والأربعاء في روما بعدما كان الضباب يحيط بمصير هذه الجولة، وبين بدء الجيش الإسرائيلي تفجير الأنفاق والبنى التحتية في مرتفعات علي الطاهر، وكأنّ الإسرائيلي يلعب لعبة مزدوجة عشية استحقاقه الداخلي: لعبة النار والدمار من جهة، والجلوس إلى طاولة المفاوضات من جهة أخرى للتخفيف من وطأة ما تقترفه آلته العسكرية.فعلياً، حتى ساعات أمس لم يكن الجانب اللبناني قد تبلّغ رسمياً أي تحديث من الجانب الأميركي عن مصير المحادثات. لا بل بدا الاعلان من الجانب الإسرائيلي مفاجئاً وغير متوقع لا سيما وأنّ البحث عبر القنوات الأميركية يتركز على مسألتين:تأجيل موعد الجولة الثامنة من منتصف الشهر إلى نهايته، على أن يتم توظيف المهلة الفاصلة في ممارسىة الضغط من الإدارة الأميركية على الحكومة الإسرائيلية للمضي في خطوة جدية تسهم في إنجاح المفاوضات.نقاش مستجد حول جغرافية المحادثات حيث تشير المعلومات إلى أنّ تفرّع المفاوضات إلى قسمين: سياسي وعسكري يقضي بفصل المسارين جغرافياً. من هنا كان البحث عن مساحة جديدة تستضيف الجانب السياسي من المحادثات اذا ما استمرّ الجانب العسكري في روما. وتتحدث المعلومات عن أفكار عدة تتمّ مناقشتها لنقل موقع المفاوضات، بينها الأردن على سبيل المثال. لكن الأمور لم تحسم وكانت لا تزال مفتوحة على الكثير من الخيارات بانتظار موافقات الأطراف الثلاثة.اذ تفيد المعولمات أنّ لبنان الرسمي لم يتبلّغ رسمياً أي مستجد في هذا الشأن، لا بل أكثر من ذلك، علم أنّ السلطة اللبنانية قد تسجلّ تحفّظها على الموعد المقترح “إعلامياً” من جانب إسرائيل، لأنّها تفضل عقد الجولة الثامنة بعد هذا التاريخ، بسبب تزامن هذا الموعد مع توجّه رئيس الجمهورية جوزف عون إلى باريس للمشاركة في مؤتمر دعم الجيش.من هنا، لا يزال مصير المفاوضات قيد النقاش، وسط خشية الجانب اللبناني من دخولها في دائرة مماطلة مقصودة، خصوصاً أن الجولة السابعة التي عُقدت في روما لم تُفضِ إلى أي نتائج ملموسة، فيما تتمسّك إسرائيل، بدعم أميركي، برفض الانسحاب من الأراضي المحتلة قبل التحقق من نزع سلاح “الحزب”، وتواصل في الوقت نفسه عمليات التدمير والتجريف في الجنوب وكأن لا مفاوضات قائمة أصلاً.يُضاف إلى ذلك تخوّف لبناني من أن تتحول المفاوضات إلى مجرد غطاء زمني تستخدمه إسرائيل لكسب الوقت حتى موعد الانتخابات التشريعية في 27 تشرين الأول، في ظل تقدير بأنّ حكومة بنيامين نتنياهو لن تُقدم على أي تنازل حقيقي قبل أن تحسم صناديق الاقتراع مصيرها السياسي.الخشية من تصعيد عسكريميدانياً ينذر الوضع في جنوب لبنان بمزيد من التصعيد العسكري، في توقيت لافت يسبق فتح صناديق الاقتراع في إسرائيل في 27 تشرين الأول المقبل. وتزامن التصعيد الميداني – المتمثل بتفجير مرتفعات علي الطاهر وتنامي المخاوف من امتداد العمليات إلى مدينة النبطية – مع دخول إسرائيل مرحلة الاستحقاق الانتخابي، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات مختلفة لمدى ارتباط الاثنين ببعضهما.في الأثناء لا يزال ملف اليونيفيل يراوح مكانه لجهة انعدام البديل، وسط اصرار أميركي على عدم التجديد للقوة الدولية والبحث عن قوة بديلة بمهمة جديدة وصلاحيات جديدة. لكن هذا السيناريو لا يزال محاصراً بفيتوين صيني وروسي قد يحولان دون ولادة هذه القوة. وهذا المرجح. من هنا التركيز على الخيار الأوروبي تحت مظلة الاتحاد الأوروبي لتشكيل قوة عسكرية تنتشر في الجنوب، لكن هذا الاحتمال لا يزال يواجه برفض إسرائيلي، أو عدم تعليق، على طلبات الدول التي أبدت استعدادها للمشاركة في هذه القوة.“الحزب” مأزوم والدولة عالقةفي المحصلة، تثبت الوقائع أنّ “الحزب” مأزوم وبات في موقع الطرف الأكثر إرباكاً في المعادلة اللبنانية، عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ:هو من جهة لا يستطيع الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بذريعة تجنّب استدراج بنيامين نتنياهو إلى حرب موسّعة، يريدها الأخيرة كآخر أوراقه الانتخابية، بحيث يتحوّل أي ردّ من الحزب إلى “هدية مجانية” تمنح نتنياهو المُبرر الذي يبحث عنه لتوسيع رقعة المواجهة قبل صناديق الاقتراع.من جهة أخرى، لا يستطيع الحزب تسليم سلاحه، لأن هذا القرار، ببساطة، لا يملكه وحده، بل يبقى مرتبطاً بحسابات إقليمية أوسع تتحكم بها طهران، التي لا تزال تلعب لعبة الرهان على الوقت، منتظرة أن تتبدل موازين القوى أو تتغيّر المعطيات الإقليمية بما يتيح لها إعادة التفاوض من موقع أفضل، بدل التفريط مجاناً بالسلاح في اللحظة الراهنة التي لا تخدمها على الإطلاق.أما الدولة اللبنانية، فتجد نفسها عالقة بدورها بين استحالتين:– العجز عن انتزاع أي تقدم فعلي من “الحزب” باتجاه تسليم سلاحه أو حصره بيدها.– الاصطدام برفض إسرائيلي