من تلة مقابلة في بلدة حنية، يقف أهالي المنصوري لمشاهدة منازلهم وهي تُفجّر واحداً تلو الآخر. لم يعودوا قادرين على دخول قريتهم أو إنقاذ ممتلكاتهم، فيما تحولت متابعة أعمدة الدخان ومحاولة تحديد المنزل المستهدف إلى مشهد يومي. وكشفت وكالة Associated Press، في تقرير ميداني مصور، أن مسيّرات إسرائيلية تنزل فوق منازل المنصوري وهي تحمل صناديق محملة بالمتفجرات، قبل إسقاطها وتنفيذ عمليات تفجير محكومة. وتظهر الصور، الملتقطة في 11 أيلول، السكان وهم يصورون من بعيد لحظة تدمير المباني. ويشكّل هذا التوثيق إضافة نوعية إلى المعلومات التي كانت ترد من البلدة، لأنه يكشف أن ما يجري ليس نتيجة تبادل نار أو غارات تستهدف أشخاصاً بصورة فورية، بل عمليات هدم تنفذ بصورة متعمدة ومنظمة، بعدما أصبحت أجزاء من القرية خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. كما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن القوات الإسرائيلية فجرت القسم الأكبر من المدرسة الرسمية في المنصوري، ولم يبقَ منها سوى جزء صغير. وتزامن ذلك مع غارة على البلدة وعمليات قصف وتفجير في مناطق جنوبية أخرى. ولم يقدم الجيش الإسرائيلي جواباً لوكالة AP حول سبب هدم المنازل والمنشآت في المنصوري. وكانت إسرائيل قد قالت عند إصدار إنذار سابق بإخلاء البلدة إنها ترد على خروقات نفذها حزب الله، إلا أن هذا التبرير لا يوضح سبب مواصلة تدمير منازل خالية ومدرسة رسمية بعد تهجير السكان. وتروي شهادات الأهالي حجم الخسارة التي تتجاوز الأبنية. فالمنصوري بلدة زراعية يعتمد قسم من سكانها على التبغ والبساتين وتربية النحل. ومع تدمير المنازل وصعوبة الوصول إلى الأراضي، يخسر السكان مساكنهم ومصادر دخلهم في الوقت نفسه. وكان عدد من الأهالي قد نزح مع اندلاع الحرب في آذار، ثم عاد بعد وقف النار في حزيران، قبل أن يضطر إلى النزوح مجدداً إثر إنذار إسرائيلي وعودة العمليات العسكرية. ويقيم بعضهم لدى أقارب في القرى المجاورة، بينما انتقل آخرون إلى مراكز إيواء في صور. وتفيد تقديرات أوردتها AP بأن أكثر من 300 ألف شخص لا يزالون نازحين في لبنان، رغم عودة القسم الأكبر من نحو 1.2 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم في ذروة الحرب. ويكشف نموذج المنصوري سبب تعذر العودة: فوقف إطلاق النار لا يكفي عندما تتحول القرية نفسها إلى منطقة هدم ممنهج. وتكتسب عمليات المنصوري خطورتها من تزامنها مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قيام "منطقة أمنية" تمتد من الساحل إلى مداخل جبل الشيخ. فإذا جُمعت عمليات الهدم مع منع السكان من العودة والسيطرة العسكرية، تظهر ملامح سياسة تهدف إلى إفراغ نطاق جغرافي كامل، لا إلى معالجة خطر عسكري آني فقط. ولا تتوافر حتى الآن جردة رسمية شاملة تحدد عدد المنازل والمنشآت التي هُدمت في المنصوري بعد وقف النار، ولا خريطة تبين ملكيتها أو تاريخ كل عملية. كما لم تعلن الدولة اللبنانية آلية لتوثيق الأضرار وحماية حقوق أصحاب العقارات تمهيداً لأي مطالبة دولية أو تعويضات مستقبلية. القصة التي تكشفها المنصوري ليست قصة قرية تتعرض للقصف فحسب، بل قصة أرض يجري تغيير واقعها بالقوة تحت أعين سكانها. فإسرائيل لا تمنع الأهالي من العودة فقط، بل تدمر ما يمكنهم العودة إليه، فيما يقف أصحاب البيوت على الضفة الأخرى من المشهد، يحاولون التعرف إلى منازلهم من شكل الدخان.