من نارٍ تشتعل فوق التّلال إلى صليبٍ يُرفع في الكنائس والبيوت... في 14 أيلول، لا يحتفل المسيحيّون بـ"خشبة" فحسب، بل بقصّة إيمان تحوّل فيها رمز الموت إلى علامة للحياة، والهزيمة إلى انتصار، والخطيئة إلى خلاص. فما قصّة عيد الصليب؟ ولماذا اختير هذا التاريخ تحديدًا؟ وما سرّ النّيران التي تُضيء البلدات ليلة العيد؟ يوضح الأب الدكتور طوني الخوري أنّ "جذور عيد ارتفاع الصليب تعود إلى القرن الرابع الميلادي، وتحديدًا إلى نحو سنة 326م، حين توجّهت القديسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، إلى القدس بحثًا عن الصليب الذي صُلب عليه المسيح. وبحسب التقليد المسيحي، عثرت هيلانة والجنود المرافقون لها على ثلاثة صلبان مدفونة في حفرة عميقة قرب معبد فينوس، وتمّ التعرّف إلى صليب المسيح من خلال معجزة شفاء امرأة مريضة عند لمسه". ويقول الخوري، في حديث خاص إلى موقع MTV، إنّ "الجنود كانوا قد اتفقوا على إشعال نار ضخمة فور العثور على الصليب، لتكون إشارة إلى الفرق الأخرى التي كانت تواصل البحث في أرجاء أورشليم. وما إن عُثر على الصلبان حتى صعد الجنود إلى جبل الجلجلة، وجمعوا الحطب وأشعلوا النار، فانتقلت الإشارة إلى سكّان المدينة الذين أشعلوا بدورهم النيران احتفالًا بالعثور على الصليب المقدّس. ومن هنا ارتبطت النار بعيد الصليب، وبقي 14 أيلول تاريخًا للاحتفال بهذه الذكرى". لكن عيد الصليب لا يستعيد حدثًا تاريخيًا فحسب، بل يحمل معاني روحيّة عميقة ترتبط بجوهر الإيمان المسيحي. وعن معنى الصليب اليوم، قال الخوري: "حين نرفع الصليب، لا يمكننا أن نرى الصليب من دون المصلوب"، موضحًا أنّ يسوع المسيح "قدّم ذاته على الصليب، وبذل حياته من أجل خلاص البشريّة". وشدّد على أنّ "تكريم الصليب لا يعني تكريم الخشبة بحدّ ذاتها، بل تكريم المسيح الذي حمل عليها خطايا العالم، وحوّل أداة الموت إلى علامة للحياة والخلاص". وفي رمزيّة الشجرتين، يبرز أحد أعمق معاني العيد، حيث يشرح الخوري أنّ "هناك شجرة عدن، التي ارتبطت بالعصيان ودخول الموت إلى العالم، وفي المقابل شجرة الصليب، التي عليها بذل المسيح ذاته من أجل الإنسان". ويضيف: "ما خسرناه في الشجرة الأولى، استُعيد لنا على شجرة الصليب، فثمرة هذه الشجرة ليست ثمرة عاديّة، بل المسيح نفسه، ثمرة بطن مريم العذراء، الذي جاء إلى العالم ليمنح الإنسان الحياة". وهكذا، لا يعود الصليب في الإيمان المسيحي مجرّد أداة إعدام، بل يتحوّل إلى رمز للحب والانتصار والحياة الجديدة؛ خشبة حملت الموت، لكنها أصبحت علامة للخلاص والرجاء. ربّما تكون النيران التي تشتعل في القرى والبلدات اللبنانيّة من أكثر مظاهر العيد حضورًا في الذاكرة الشعبيّة. فبعد أن ارتبطت بقصّة العثور على الصليب، اكتسبت مع مرور الزمن معنى روحيًا أيضًا. ويشير الخوري إلى أنّ "إشعال النار يمكن النظر إليه كرمز لـ"لهيب المحبّة الإلهيّة" التي أضاءت العالم من خلال المسيح". ويختم الخوري: "في النهاية، يبقى عيد الصليب أكثر من مناسبة دينيّة أو تقليد شعبيّ. إنّه دعوة إلى النظر إلى الصليب بعين مختلفة: فما يبدو للعين خشبة موت، يراه الإيمان المسيحي خشبة خلاص؛ وما يبدو نهاية، يصبح بداية؛ وما كان رمزًا للعار والألم، يتحوّل إلى علامة حبّ ورجاء وحياة". في 14 أيلول، يُرفع الصليب... لكن الرسالة الأعمق هي أن نرفع عينَيْنا إلى المسيح المصلوب والقائم، الذي حوّل خشبة الموت إلى شجرة خلاص.