تبدو اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك التي وقَّعت عليها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب/أغسطس 2026 محطة تحوُّل رئيسي في مجريات الأحداث في الشرق الأوسط (أو غرب آسيا) وهي مؤشر إلى السعي لتأسيس نظام اقليمي ينطلق من المبررات الدفاعية المتقلِّبة التي فرضتها التطورات الراهنة، والتي تحتاج لمواجهة خشنة، ليصل – ربما - إلى تكامل اقتصادي ناعم، يستند إلى بُنى تحتية ثقافية وتجارية ولوجستية قائمة بالفعل بين الدول العربية، من جهة، وتركيا خصوصاً من جهةٍ ثانية. وقد يدفع مسار تحسُّن العلاقات السياسية بين عدد من الدول العربية مع تركيا مشروع التعاون إلى مستويات جديدة مُتقدِّمة، ذلك أن المعطيات التي تؤمن فرص النجاح متوافرة، والعوامل الجيوسياسية والجيوسوسيولوجية تساعد على العمل المشترك، خصوصاً بعد أن برزت إسرائيل – وأكثر من أي وقت مضى – ككيان عدواني، له أطماعه في احتلال مزيد من الأراضي العربية، وتفتيت المحيط، وهي تحاول فرض نظام إقليمي بالقوة العسكرية، وبغطرسة مُتفلِّتة، تُهدِّد مصالح الدول العربية وتركيا على وجه التحديد. وتطوير العلاقات بين باكستان وتركيا والعالم العربي – لا سيما الدول المشرقية منه – يُحرِج إيران ويساعد على احتواء إنفلاش الحرس الثوري في عدد من دول الإقليم، من دون أن يشكل الحلف عنصر صدام مع طهران، وعدم الصدام مع إيران استراتيجية تركية وباكستانية ثابتة، بينما الدول العربية في الخليج وفي المشرق ليست مُتحمسة للمواجهة مع طهران إطلاقاً، ولكنها لم تعُد قادرة على التعايش مع التدخلات الإيرانية في شؤون الدول العربية، أو الاعتداء على هذه الدول بحجة دفاعها عن نفسها ضد العدوان الإسرائيلي – الأميركي الذي استهدفها منذ مطلع آذار/مارس الماضي. يمكن لحلف مكَّة أن يحقِّق بعض التوازن المفقود في سياق المواجهة مع المشروع الإسرائيلي البالغ الخطورة، كما أنه يبعث برسالة تنبيهية واضحة إلى إيران، لأنها مارست استباحة غير مقبولة في بعض ممرات الإقليم المائية وعلى دول مجاورة، وأنتجت مشكلات استفادت منها إسرائيل بدل أن تصيبها بالضرَّر، ودفعت فاتورتها المنطقة العربية غالياً. كما أن الاتفاقية الثلاثية فيها لفت نظر للأميركيين، مفاده أن قواعدهم وأساطيلهم لم تتمكن من حماية دول الخليج العربي، بل سبَّبت لها إذية كبيرة، ما دفع هذه الدول إلى ولوج خيارات دفاعية مستقلَّة يمكنها أن توفر مزيداً من الأمن غير المرتبط بخيارات الدول الكبرى، وهذه الدول لديها حساباتها البعيدة المدى التي قد تتعارض أحياناً مع مصالح دول الإقليم. انضمام أطراف أخرى إلى المعاهدة الدفاعية، سيعطيها قوة تأثير أكثر، خصوصاً إذا ما شملت دول مثل سوريا ولبنان القريبين من إسرائيل، واللذين يتعرضان لعدوان متواصل منها، ويمكن للدول المنضوية في الاتفاقية أن تعتمد استراتيجية تعامل جديدة مع الملف الفلسطيني، يستند إلى تثبيت الحق بإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لمندرجات قمة بيروت العربية عام 2002، وبما ينسجم مع موافقة 167 دولة عضواً في الأمم المتحدة، وبالتالي تعطيل زخم التمادي الإسرائيلي في رفض هذا البرنامج العادل نسبياً. الأجواء المنتشرة فوق مساحة التفاهمات الجديدة، تُبشِّر بفضاء جديد قابل للاستثمار – لاسيما في سياق التعاون العربي – التركي، خصوصاً إذا ما أحسنت تركيا اعتماد توليفة جديدة تحترم فيها أكثر فأكثر الحقوق السيادية للدول المجاورة، على أن يستند التعاون الجديد إلى معايير حُكمية موحدة، أساسها احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، كمرتكزات لا حياد عنها في سياق مسيرة التعاون، بما يُبعِد كل أشكال الهيمنة السياسية ومنهجيات تصدير الأفكار التي لا تتماشى مع واقع دول عربية عديدة، وطي صفحة "نظام الولايات والمِلل" الذي اعتمد في مرحلة غابرة، والذي يُذكِّر بهيمنة ولَّت إلى غير رجعة، وكذلك التحلُّل من كل وسائل التدخلات العقائدية، والتعاطي مع الجميع على قدمِ المساواة، بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة القائمة في الدول المعنية وخلفياتها الإيديولوجية. لا يمكن تقليل أهمية تعاضد عناصر القوة الوازنة المتوافرة لدى أطراف اتفاق مكَّة، ولا بما يمكن أن يزيد من حجم هذه العناصر إذا ما انضمت دول عربية أخرى إلى الاتفاق. فهذه المساحة الجيواستراتيجية المترامية تمتلك مقدرات مالية ونفطية واقتصادية كبيرة، وفيها حجم هائل من القدرات العسكرية، تشمل أسلحة نووية رادعة، وصناعات عسكرية متقدمة – لاسيما منها الصناعات التركية الجوية والتكنولوجية – وفيها أعداد كبيرة من الموارد البشرية القادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، ومع كل أصناف الصواريخ والطائرات والمُسيرات. أما جوانب القوة الناعمة الموجودة لدى الجانب العربي والجانب التركي على وجه التحديد؛ فهي مهمة جداً، ومتنوعة، وتستطيع إحداث فارق كبير إذا أُديرت على الشاكلة المثالية المر