عمر فاخوري و«الحقيقة اللبنانية»... هل ما زال لبنان يبحث عن وطن؟ 12 أيلول 2026 · 01:02 ص 7 دقائق قراءة حجم الخط فاروق غانم خداج * ولعل العودة إلى عمر فاخوري، اليوم، ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي عودة إلى أسئلة لم تجد أجوبتها النهائية. ففي كتابه «الحقيقة اللبنانية: خواطر وأحاديث»، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار المكشوف في مطلع عام 1945، لم يكتفِ فاخوري بوصف لبنان، بل حاول أن يسأل عن معناه ووظيفته وشروط تحوله من كيان إلى وطن. لم يكن فاخوري يتنبأ بلبنان 2026، ولا يجوز أن نحمّل نصه ما لم يقله. لكن بعض الأسئلة التي طرحها تبدو اليوم شديدة الراهنية، لا لأن التاريخ توقف، بل لأن مشكلات بناء الدولة والمواطنة والهوية والعلاقة بالعالم لم تُحسم بصورة نهائية. من أكثر العبارات دلالة في فكر فاخوري قوله: «نريد وطنًا، لا طيف وطن». وقد لخّص مارون عبود هذا الهاجس في وصفه فاخوري بأنه أراد لبنان «وطنًا، لا طيف وطن». الوطن، في هذه الرؤية، ليس مجرد حدود واسم وعلم، بل حقيقة يعيشها المواطن في حياته اليومية. وهذه النقطة تحديدًا تجعل فاخوري قابلًا للقراءة في لبنان 2026. فالسؤال اليوم لم يعد فقط: هل لبنان موجود؟ بل: إلى أي مدى تحضر الدولة في حياة اللبناني؟ الدولة التي تطبق القانون، وتحمي الحقوق، وتؤمن الخدمات الأساسية، وتضمن التعليم والطبابة، وتصون كرامة المواطن، وتمتلك قرارها الوطني، هي التي تجعل الوطن حقيقة معاشة. أما عندما تتراجع المؤسسات أمام الأزمات، فإن الفكرة الوطنية نفسها تصبح موضع اختبار. وليس هذا السؤال نظريًا. فقد كشفت الأزمة المالية والاقتصادية التي بدأت تتفاقم منذ عام 2019، ثم انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، حجم الفجوة بين المواطن والدولة في مجالات الحماية والخدمات والمحاسبة. هنا تصبح عبارة فاخوري أكثر من جملة أدبية: يصبح «الوطن» اختبارًا يوميًا لقدرة الدولة على القيام بوظائفها. لم يكن فاخوري غافلًا عن أخطر ما يمكن أن يصيب فكرة لبنان: أن تتحول الجماعات التي يفترض أن تتعايش داخل وطن واحد إلى حدود تفصل بعضها عن بعض. وفي وصفه للطائفية، كتب: «لقد أتى علينا زمن في لبنان، وبين الطائفة والأخرى، أو بين أبناء دين وأبناء الدين الآخر، كالحدود التي تفصل وطنًا عن وطن. كدنا نحتاج إلى جوازات سفر بين الطوائف والأديان». فالتنوع في ذاته ليس مشكلة. بل يمكن أن يكون مصدر ثراء ثقافي وحضاري. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء الطائفي من مساحة إيمان أو ثقافة أو خصوصية اجتماعية إلى بنية سياسية مغلقة، يصبح فيها المواطن ممثلًا لطائفته قبل أن يكون مواطنًا في دولة واحدة. وهنا يبدو فاخوري أكثر راهنية مما قد نتوقع. فلبنان لا يحتاج إلى إلغاء تنوعه، بل إلى إخراجه من منطق الحدود. لا ينبغي أن يكون الاختلاف جواز سفر داخل الوطن، ولا أن تتحول الطائفة إلى دولة معنوية تنافس الدولة. رأى فاخوري لبنان مساحة تفاعل بين مكونات متعددة، ووصف ثقافته بأنها «ثقافة تمازج» ورسالته بأنها «رسالة تواصل». كما رأى في موقع لبنان الجغرافي والتاريخي قدرة على أن يكون «همزة وصل بين الشرق والغرب». هذه الرؤية لا تزال قابلة للنقاش، لكنها تحتاج اليوم إلى شرط أساسي: ألا تتحول إلى خطاب احتفالي عن «لبنان الرسالة» من دون مؤسسات تحمي هذه الرسالة. فالثقافة تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة. والأدب يستطيع أن يصنع لغة مشتركة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل القانون. والتنوع يصبح قوة حقيقية عندما يشعر المختلفون بأن حقوقهم وواجباتهم متساوية أمام مؤسسات الدولة. لذلك يمكن تلخيص التحدي اللبناني اليوم بجملة بسيطة: التمازج يحتاج إلى قانون، والتواصل يحتاج إلى دولة، والتنوع يحتاج إلى مواطنة. لم ينظر فاخوري إلى لبنان كجزيرة معزولة. كان يرى في موقعه وتاريخه وثقافته عناصر تؤهله للتواصل بين الشرق والغرب، وكان واضحًا في ربط الحقيقة اللبنانية بالحقيقة العربية. وتؤكد قراءة الكتاب أن سؤال لبنان عنده لم يكن منفصلًا عن محيطه العربي، بل عن دوره في العالم أيضًا. فلبنان عربي في لغته وتاريخه ومحيطه، ومتوسطي في موقعه، ومنفتح في ثقافته وعلاقاته. وليس المطلوب أن يختار اللبناني بين هذه الدوائر وكأنها متناقضة بالضرورة. لكن الانفتاح لا يعني التبعية، والعروبة لا تعني إلغاء الخصوصية، والعلاقات الدولية لا تغني عن القرار الوطني المستقل. التحدي الحقيقي هو أن يستطيع لبنان أن يكون عربيًا ومنفتحًا في الوقت نفسه، وأن يحافظ على علاقاته مع العالم من دون أن يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. كان اللبنانيون في الخارج جزءًا مهمًا من تصور فاخوري للبنان، الذي رأى في الانتشار امتدادًا للثقافة اللبنانية ورسالتها. وهذا المعنى يكتسب اليوم أهمية مضاعفة مع اتساع الهجرة وخروج أعداد كبيرة من الشباب والكفاءات بحثًا عن الاستقرار والعمل.