من الساحل إلى جبل الشيخ: إسرائيل ترسم حدودها الأمنية لبنان يحتاج إلى أن يكون صاحب تعريف أمنه وحدوده ومصالحه (رويترز) ليست كل التصريحات العسكرية مجرد وصف لما يجري على الأرض. بعضها يرسم، بكلمات قليلة، خريطة سياسية وأمنية جديدة. وهذا ما يفعله تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي حين يقول إن إسرائيل أصبحت تملك "منطقة أمنية تمتد من الساحل غربًا إلى الشقيف إلى جبل الشيخ شرقا". قد تبدو العبارة للوهلة الأولى توصيفًا للانتشار العسكري الإسرائيلي، غير أنها تحمل دلالة أوسع: إسرائيل تعيد تعريف المجال الذي تعتبره جزءًا من أمنها، حتى عندما يقع هذا المجال خارج حدودها المعترف بها دوليًا. من الساحل إلى الشقيف وصولا إلى جبل الشيخ، نحن أمام قوس جغرافي واسع لا يمكن اختزاله في موقع عسكري أو عملية محددة. إنه تصور أمني يربط نقاطًا متباعدة ضمن مساحة واحدة، ويتعامل مع جغرافيا لبنان وسوريا من زاوية أمنية إسرائيلية تتجاوز الحدود السياسية بين الدول. وهنا تكمن أهمية المصطلح نفسه. إسرائيل لا تتحدث عن موقع عسكري احتلته أو عن عملية تنتهي بانتهاء مهمتها، وإنما عن "منطقة أمنية". الموقع يمكن أن يكون هدفًا عسكريًا موقتًا، أما المنطقة الأمنية فتتحول إلى واقع مستمر، تُحدد داخله الحركة والوجود العسكري ومفهوم التهديد وشروط الانسحاب. وهذا فرق جوهري بين حماية الحدود وإنشاء عمق أمني خارجها. الدولة التي تدافع عن حدودها من داخل أراضيها تتحرك ضمن مفهوم تقليدي للسيادة. أما عندما يصبح الأمن مبررًا للوجود العسكري في أرض دولة أخرى، فإن مفهوم الحدود نفسه يدخل مرحلة جديدة من الاختبار. من هنا تكتسب مواقع مثل علي الطاهر والشقيف معنى يتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة. أهميتها لا تُقاس فقط بما تحتويه من منشآت أو أنفاق، وإنما بموقعها ضمن شبكة جغرافية أوسع. قد تبدو التلة محدودة إذا نُظر إليها منفردة، فيما تتحول إلى عقدة استراتيجية عندما تُقرأ ضمن قوس يمتد من الساحل إلى جبل الشيخ. وهذا يضع ما جرى في علي الطاهر داخل صورة أكبر. فالموقع قد يكون مهمًا ليس لذاته فقط، وإنما للدور الذي يؤديه في تثبيت واقع أمني أوسع. هنا تنتقل المسألة من السيطرة على نقطة إلى إعادة تشكيل وظيفة منطقة كاملة. وهذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في التصريح الإسرائيلي: الحديث عن مساحة أمنية تمتد عبر جغرافيا لبنانية وسورية، وكأن الحدود الدولية لا تشكل وحدها حدود المجال الذي يمكن لإسرائيل أن تعتبره ضروريًا لأمنها. القانون الدولي يرسم حدود الدول، غير أن موازين القوة قد تخلق واقعًا آخر على الأرض. والسيادة لا تُقاس فقط بالعلم والخرائط والاتفاقيات، وإنما أيضًا بمن يملك القرار الفعلي: من يحدد التهديد، ومن يراقب الأرض، ومن يقرر متى يتحرك عسكريًا، ومن يملك القدرة على البقاء فيها. هنا تظهر فكرة السيادة الفعلية. فقد تبقى الأرض قانونًا تابعة لدولة معينة، فيما تصبح القدرة على التحكم بأمنها وحركتها العسكرية بيد قوة أخرى. عندها لا تختفي السيادة القانونية، لكنها تصبح منقوصة في الممارسة. وتزداد خطورة الأمر عندما يكون تعريف "المنطقة الأمنية" قابلا للتمدد. فإذا كان وجود القوات مرتبطًا بتقدير إسرائيل للخطر، فإن مساحة التدخل تصبح مرتبطة أيضا بتعريفها لهذا الخطر. ظهور قدرة عسكرية جديدة قد ينتج عنه تهديد جديد، وتغير طبيعة التهديد قد يؤدي إلى توسيع المجال الذي تعتبره إسرائيل ضروريًا لأمنها. ومن دون معايير واضحة ومتفق عليها لنهاية المهمة، يمكن أن تتحول "الموقتية" إلى واقع طويل الأمد. من هذه الزاوية، يصبح تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي أكثر من إعلان عسكري. إنه يطرح عمليًا فكرة الحدود الأمنية المتحركة: الحدود الدولية تبقى ثابتة في القانون، فيما يمكن أن تتمدد حدود الأمن وفق تقدير القوة العسكرية واحتياجاتها. وهنا تحديدًا تصبح المسألة اللبنانية أكثر تعقيدًا. فرفض أي وجود أو توسع عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية موقف سيادي وقانوني لا يحتاج إلى تبرير. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع لبنان أن يستعيد سيادته الكاملة من دون استعادة احتكاره للقرار الأمني والعسكري. هاتان حقيقتان لا تلغي إحداهما الأخرى. في هذا السياق يأتي "حزب الله" كعامل أساسي في المشهد، لا باعتباره تفسيرًا لكل ما تفعله إسرائيل، ولا باعتبار أن وجود سلاحه يمنحها أي حق في انتهاك السيادة اللبنانية. إسرائيل تربط انتشارها وعملياتها بما تعتبره تهديدًا مصدره "الحزب"، فيما يستخدم "الحزب" استمرار التهديد الإسرائيلي لتبرير احتفاظه بسلاحه وقدرته العسكرية خارج القرار الحصري للدولة. وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: سلاح خارج الدولة يُستخدم لتبرير استمرار منطق المواجهة، ومنطق المواجهة يُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج الدولة، فيما تستفيد إسرائيل من استمرار هذا الواقع في بناء خطاب أمني يتجاوز حدودها. لا يجوز