في السياسة اللبنانية، حيث تتداخل الجدية بالكوميديا، يبرز رئيس مجلس النواب نبيه بري كشخصية فريدة لا تقتصر أهميتها على دوره السياسي، بل تمتد إلى "فن الطرائف البرلمانية". فبري، الذي يترأس المجلس النيابي منذ عام 1992، يعتبر أحد أبرز الشخصيات السياسية المعاصرة التي تتقن استخدام الفكاهة السياسية والنكتة المبطنة والمقولات الرمزية كأدوات أساسية في إدارة الأزمات الكبرى، والمعروف عنه أنه يحب "التنكيت". وينقل عنه عارفوه أنه "مهضوم"، يخلط ما بين الذكاء والمزاح، ويرتكز أسلوبه الدبلوماسي على توظيف الأدبيات الشعبية والتهكم السياسي لتمرير الرسائل الصعبة لخصومه وحلفائه على حد سواء، ولامتصاص التشنج في بيئة محكومة بالتوازنات الطائفية المعقدة. ومن المصطلحات التي أصبحت شائعة في الوسائل الإعلامية اللبنانية هو تعبير "أرانب نبيه بري"، وهو تعبير سياسي لبناني شائع يقصد به المفاجآت والحلول المبتكرة والأفكار والمخارج غير المتوقعة التي يُخرجها رئيس مجلس النواب من "قبعته السياسية" في اللحظات الحاسمة لحل الأزمات أو تدوير الكرايا وتخطي العقد المستعصية. ومن أبرز الدلائل على رسائله المبطنة ضمن إطار "النكات السياسية" تصريحه اليوم الذي قال فيه إن "اتفاق الإطار طار"، في إشارة إلى أن الاتفاقية الإطارية بين إسرائيل ولبنان 2026، التي تم توقيعها يوم 26 حزيران 2026 برعاية الولايات المتحدة بهدف وضع أسس لوقف حالة الحرب وبدء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل، قد سقطت عمليا. ومن المقولات الأخرى التي أطلقها نبيه بري في مناسبات مختلفة وتحولت إلى مصطلحات دارجة في الشارع والإعلام اللبناني لتوصيف الواقع السياسي، "بريستيجنا ما بيسمح لبريستيجهم" التي قيلت في ذروة المناكفات السياسية بين الأطراف اللبنانية. "صوت عبري ولو نطق بالضاد" وقالها بري تعليقا على الخطابات التي تحمل شحنا طائفيا ومذهبيا، و"قرأته... ورأيت فيه الفتنة" وجاء تعليقا على اتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل معتبرا أنه يحمل بذور فتنة داخلية ومستشهدا بمثل "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهرا فيركب ولا ضرعا فيحلب". و"افقأوا أعيننا وأظهرونا مخطئين" والتي كانت موجهة إلى حاملي لواء خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، قائلا: "افقأوا أعيننا وأظهرونا مخطئين من خلال إيجابية واحدة تحصلون عليها وتضمن وقف عدوان إسرائيل والانسحاب من أي منطقة جنوبية تقدمت إليها، وساعتئذ سنعترف بصحة توجهكم وبخطأ اعتقادنا وحسابنا". و"الدولة بدّها مصاري، ومش لازم تاخد مصاري من يللي عايز مصاري" وهي انتقاد ضمني لسياسة فرض الرسوم والضرائب على المواطنين في ظل الأزمة الاقتصادية. تعبير "دنس بلا حبل" الذي استخدمه بري في جلسة لمجلس النواب عام 2020 (أثناء مناقشة حكومة الرئيس حسان دياب وموازنتها)، ليصف بها حال معظم الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ اتفاق الطائف. وتتميز الجلسات النيابية الطويلة والمشحونة تحت قبة البرلمان اللبناني بتدخلات بري السريعة لضبط الإيقاع عبر الميكروفون الرئيسي، ومنها استخدام عبارات شعبية أو زجلية مثل "قّعد يا كليمنصو" أو "عم تحكي لبناني بس مش عم نفهم عليك"، كما أنه يقوم بإطلاق نكتة فورية خاطفة تسخر من الموقف نفسه أو من حدة الخلاف، فتتحول المعارك اللفظية الكبرى التي تكاد تصل إلى الاشتباك بالأيدي إلى موجة ضحك عارمة تنهي التوتر. ويمثل الأسلوب التهكمي والفكاهي لنبيه بري مدرسة قائمة بذاتها في "الدبلوماسية البراغماتية"، فالنكتة في قاموسه ليست لمجرد التسلية، بل هي سلاح سياسي يُستعمل كبوابة عبور للتسويات، حيث تظل الرسائل المشفرة عبر السخرية أقل كلفة سياسية وأكثر مرونة من المواقف المتصلبة في بيئة شديدة التعقيد كالنظام اللبناني، وفي هذا الإطار، يبقى بري نموذجا فريدا لسياسي يعرف كيف يوازن بين ثقل المنصب وخطورة المرحلة وخفة الظل التي تخفف وطأة الأزمات على اللبنانيين.