يتجه جنوب لبنان إلى مرحلة أمنية مختلفة تتجاوز جولات التصعيد المتكررة بين إسرائيل و«حزب الله». فبينما تجددت المواجهة في مرتفعات علي الطاهر، التي باتت منذ فترة إحدى أكثر نقاط الاحتكاك سخونة في الجنوب، بدأت أوروبا التخطيط لما بعد «اليونيفيل». فيما تضغط واشنطن لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت تقول إسرائيل إن تجربة «المناطق التجريبية» التي يفترض أن يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية لم تحقق أهدافها. وتتقاطع هذه التطورات عند سؤال بات أكثر إلحاحاً مع اقتراب نهاية مهمة «اليونيفيل»: هل تستطيع الدولة اللبنانية والجيش ملء الفراغ الأمني وفرض سلطة واحدة في الجنوب، في ظل استمرار وجود «حزب الله» عسكرياً من جهة، والقوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية من جهة أخرى؟ وأعلن الجيش الإسرائيلي، أمس، أن «حزب الله» أطلق مسيّرتين مفخختين باتجاه قواته في مرتفعات علي الطاهر داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية»، من دون إصابات، قبل أن يشن غارات قال إنها استهدفت مستودعات أسلحة وبنى تحتية للحزب في منطقة النبطية. وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، إيلا واوية، في بيان نشرته على صفحتها بمنصة إكس أمس: «هاجم جيش الدفاع مستودعات خُزنت فيها وسائل قتالية تابعة لتنظيم «حزب الله» الإرهابي، كانت مخصصة لاستهداف قوات جيش الدفاع ومواطني دولة إسرائيل». وأشارت إلى أن «الغارات نُفذت رداً على محاولة تنظيم «حزب الله» الإرهابي العمل خلال الليلة قبل الماضية ضد قوات جيش الدفاع العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر في المنطقة الأمنية، حيث أُطلقت مسيّرتان مفخختان نحو القوات. لم تقع إصابات في صفوف قواتنا». ولم تكن مواجهة أمس حدثاً منفصلاً. فالجيش الإسرائيلي أعلن إصابة ضابط وجنديين بجروح خطيرة بانفجار مسيّرة لـ«حزب الله» قرب المرتفعات في 15 أغسطس. كما أعلن استهداف مسيّرة آلية هندسية غير مأهولة في المنطقة ذاتها في 29 يوليو، ما يجعل علي الطاهر واحدة من نقاط الاشتباك المتكرر منذ وقف إطلاق النار. ووفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، امتدت العمليات الإسرائيلية، أمس، إلى ميس الجبل، حيث توغلت قوة ترافقها دبابات وجرافات بالتزامن مع قصف منازل وحرق بعضها. إضافة إلى عمليات تمشيط بين المنصوري ومجدل زون. وأعلنت وزارة الصحة مقتل سيدة وإصابة ستة أشخاص بغارة على عربصاليم. وتتجاوز أهمية التصعيد حدود المواجهة العسكرية. فقد نقل موقع «واللا» الإسرائيلي عن مصدر أمني أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بأن مخطط «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان فشل، مدعياً أن الجيش اللبناني لا يدمر بنى تحتية لـ«حزب الله» بناء على إحداثيات تقدمها إسرائيل. وفي المقابل، يقدم الموقف الأمريكي الدولة اللبنانية باعتبارها البديل الأمني المطلوب. وقال السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، إن اللبنانيين متفقون على أن «حزب الله» عليه تسليم سلاحه، وإن الضمانة تتمثل في أن «تتولى الحكومة اللبنانية موضوع السيادة، وتقوم بعملية الدفاع». وربط عيسى ما يجري في علي الطاهر بالمواجهة بين واشنطن وطهران، قائلاً إن تطوراتها تؤثر على لبنان بسبب ارتباط حزب الله بالقرارات الإيرانية، مضيفاً أن واشنطن تطلب من إسرائيل وقف ضرباتها أو تخفيفها، «لكن في المقابل حزب الله لا يقدم أي خطوة». ويكتسب هذا الجدل وزناً أكبر مع بدء التحضير للمرحلة التالية. ووفق مصدر عسكري أوروبي نقلت عنه وكالة أنباء الإمارات «وام»، يكثف الاتحاد الأوروبي التخطيط لمهمة أمنية محتملة يمكن إطلاقها مطلع 2027 بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل». وزار فريق أوروبي مدني وعسكري لبنان للمرة الثانية خلال أغسطس لبحث أوجه دعم الجيش وقوى الأمن، فيما يجري إعداد الخطط العملياتية للمهمة. وتقود إيطاليا جانباً رئيسياً من المشاورات. وبحث رئيس أركان دفاعها لوتشيانو بورتولانو مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، الأربعاء. الإطار القانوني والتمويل وإمكانية المساهمة بقوات وإنشاء قيادة متعددة الجنسيات. وكانت إيطاليا وفرنسا أعلنتا في يونيو رغبتهما في تشكيل تحالف متعدد الجنسيات يخلف القوة الدولية.