سفير لبتان السابق في الفاتيكان من الرعاية الصحية والزراعة والخدمات الاجتماعية إلى فرص العمل: كيف نحافظ على الحياة في القرى الحدودية؟ في القرى الحدودية، لا تقتصر الخسارة على المنازل المتضررة والعائلات النازحة. الخطر الأكبر هو أن يتحول النزوح المؤقت إلى إقامة دائمة، وأن تصبح العودة إلى القرية مؤجلة بلا موعد. تكتسب عين إبل ورميش ودبل والقرى المجاورة أهمية تتجاوز حدود موقعها الجغرافي. فهي جزء من تاريخ الجنوب وتنوعه، وبقاء سكانها فيها يعني استمرار الحياة اللبنانية على الحدود. لكن الصمود يحتاج إلى مقومات عملية: رعاية صحية، وخدمات اجتماعية، وزراعة منتجة، وفرص عمل، ودخل يتيح للعائلات البقاء بكرامة. المعادلة واضحة: إذا أردنا عودة المهجّرين غداً، فعلينا الحفاظ على قدرة القرى على الحياة اليوم والانتقال من الإغاثة إلى الصمود. هناك جهات وجمعيات وأفراد يستحقون التقدير لما يقومون به في هذه القرى وفي محيطها، وفي مقدمهم كاريتاس لبنان، ونورج الدكتور فؤاد أبو ناضر، والأب هاني طوق، والسفير البابوي، إضافة إلى مبادرات أهلية عديدة تعمل في ظروف بالغة الصعوبة على مساندة السكان وتأمين احتياجاتهم. لذلك، تحتاج القرى الحدودية إلى الانتقال من الإغاثة إلى بناء القدرة على الصمود. ويعني ذلك توفير الظروف التي تسمح للعائلات بالبقاء، لا الاكتفاء بمساعدتها على تجاوز كل أزمة على حدة. تبدأ هذه العملية بالرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وتشمل دعم الزراعة، لكنها ترتبط في النهاية بفرص العمل والنشاط الاقتصادي. فلا يمكن تثبيت الشباب في قراهم من دون وظائف، ولا حماية الأراضي إذا لم تعد الزراعة مصدراً للدخل، ولا الحد من الهجرة إذا أصبح المستقبل مرتبطاً بمغادرة القرية. منظمة مالطا لبنان: حضور متواصل وهادئ على أرض الجنوب منذ أكثر من أربعة عقود في هذا السياق، تبرز تجربة منظمة مالطا لبنان في عين إبل ورميش ودبل والقرى المجاورة، من خلال حضورها المستمر، الذي يمتد لأكثر من أربعين عاماً، وبرامجها المرتبطة باحتياجات السكان، بوصفها نموذجاً يُحتذى به وجديراً بالدعم. يركز عمل المنظمة على ثلاثة مجالات أساسية: الرعاية الصحية، والزراعة، والخدمات الاجتماعية. تؤمّن مراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية حاجة أساسية للسكان، خصوصاً في منطقة يصعب فيها الوصول إلى الخدمات، ولا سيما خلال الظروف الأمنية الاستثنائية. كما يمنح استمرار هذه الخدمات الأهالي شعوراً بأن قراهم ليست متروكة لمصيرها .وفي القطاع الزراعي، لا يقتصر الدعم على مساعدة المزارعين مباشرة، بل يهدف إلى إبقاء الأراضي منتجة وربط العائلات بمصادر دخلها. ويشمل ذلك تأمين الشتول والبذور ومستلزمات الإنتاج، وتقديم الإرشاد الزراعي والمساعدة في مكافحة الآفات، بما يعزز قدرة المزارعين على الاستمرار. أما الخدمات الاجتماعية، فتساند العائلات الأكثر حاجة وتخفف الأعباء التي قد تدفعها، في ظل الظروف الصعبة، إلى النزوح أو الهجرة. ولا يمكن فصل هذه المجالات عن بعضها. فالرعاية الصحية وحدها لا تكفي، كما لا تكفي الزراعة أو المساعدة الاجتماعية منفردة. المطلوب هو دعم متكامل يحافظ على الإنسان، ويعزز إنتاج الأرض، ويساعد المجتمع المحلي على الاستمرار. تحتاج أي خطة للقرى الحدودية إلى جعل فرص العمل أولوية. فالسؤال لا ينبغي أن يقتصر على ما تحتاجه العائلات اليوم، بل يجب أن يشمل كيفية تمكينها من تأمين حاجاتها غداً. في الزراعة، لا يكفي توفير مستلزمات الإنتاج. المطلوب تحسين الإنتاج والتسويق، وفتح الأسواق أمام المنتجات المحلية، وتطوير الصناعات الغذائية وسلاسل القيمة المرتبطة بالقطاع الزراعي. كما يمكن دعم المشاريع الصغيرة والحرف والمهن والخدمات التي تخلق دخلاً داخل القرى، وإطلاق مبادرات تتيح للشباب العمل أو تأسيس مشاريعهم في مناطقهم، بدلاً من جعل الهجرة الخيار الاقتصادي الوحيد. الهدف ليس إبقاء السكان معتمدين على المساعدات، بل استخدام الدعم لمساعدتهم على الوصول إلى مرحلة يستطيعون فيها إعالة أنفسهم ومجتمعاتهم. لذلك، يشكل الاستثمار في الزراعة والإنتاج المحلي استثماراً في بقاء القرى. يمكن أن تشكل عين إبل ورميش ودبل نقطة انطلاق لبرنامج واقعي ومتدرج، يبدأ بتحديد الحاجات ويركز على القطاعات الأكثر تأثيراً في تثبيت السكان. وتتمثل هذه القطاعات في الصحة، والزراعة، والخدمات الاجتماعية، وفرص العمل. أما قياس النتائج، فينبغي ألا يقتصر على عدد المساعدات الموزعة، بل يشمل عدد العائلات التي بقيت، والأراضي التي استمرت في الإنتاج، وفرص العمل التي أُنشئت، والمشاريع التي واصلت نشاطها، والخدمات التي أصبحت متاحة بصورة منتظمة. وإذا أثبت هذا النموذج فعاليته، يمكن توسيعه ليشمل قرى حدودية أخرى وتحويله إلى مقاربة إنمائية قابلة للتطبيق في الجنوب. لا يعفي هذا الدور الدولة من مسؤوليتها. فالقرى الحد