لم تعد المسافة بين تلال الجنوب اللبناني وباب المندب تُقاس بالكيلومترات. فما يجري اليوم يوحي بأن الجغرافيا الممتدة من لبنان إلى البحر الأحمر والخليج باتت تتحرك داخل صراع واحد، وإن اختلفت ساحاته وأدواته: الصراع الأميركي–الإيراني على شكل المنطقة وموازين القوة فيها. من هنا، لا تبدو التطورات في منطقة علي الطاهر مجرد واقعة عسكرية منفصلة، كما لا يمكن النظر إلى ما يحدث عند باب المندب باعتباره شأنًا يمنيًا بعيدًا عن لبنان. بين النقطتين تتشكل لوحة أوسع: إسرائيل تحاول استثمار تفوقها العسكري لفرض واقع أمني جديد في الجنوب، وإيران تحاول الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة والنفوذ، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى ترتيبات إقليمية أكثر استقرارًا لمصالحها وحلفائها. وفي قلب هذه اللوحة يقف لبنان، مرة أخرى، منتظرًا. كان الاعتقاد أن الوصول إلى تفاهم أميركي–إيراني، أو حتى إلى صيغة أولية لخفض التصعيد، يمكن أن يفتح سريعًا الباب أمام تسوية في لبنان: وقف الاعتداءات، انسحاب إسرائيل، عودة النازحين، انتشار الجيش اللبناني، ثم الانتقال إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها السلاح والسيادة وإعادة الإعمار. لكن ما حدث هو العكس تقريبًا. تعثر المسار الإقليمي، وعادت لغة القوة، فيما بقي الحل اللبناني معلقًا. وهنا تكمن المسألة الأساسية: يبدو أن الحل في لبنان لم يُلغَ، لكنه أُجّل. فبالنسبة إلى القوى المتصارعة، يمكن تأجيل الاتفاق أسابيع أو أشهر لتحسين شروط التفاوض. أما بالنسبة إلى عائلة نزحت من قرية في الجنوب، فإن الشهر الإضافي يعني إيجار منزل آخر، ومدرسة أخرى يبحث عنها الأب لأطفاله، ومدخرات تتناقص، وعملًا فُقد، وبيتًا لا يعرف أصحابه إن كانوا سيعودون إليه أصلًا. لهذا لا يمكن قراءة تأجيل التسوية من الخرائط وحدها. وراء كل خط عسكري على الخريطة قرية، ووراء كل قرية ناس، ووراء كل رقم للنازحين أطفال ونساء وكبار سن يعيشون يومهم على سؤال بسيط لا تجيب عنه المفاوضات الكبرى: متى نعود؟ ومن هنا تكتسب علي الطاهر دلالة تتجاوز قيمتها العسكرية. فكلما طال غياب الحل السياسي، ازدادت قدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى وقائع ميدانية، وازدادت صعوبة العودة لاحقًا إلى نقطة البداية. الخطر ليس فقط في استمرار العمليات العسكرية، وإنما في أن يتحول ما يُقدَّم اليوم باعتباره واقعًا مؤقتًا إلى أمر واقع دائم، وأن تصبح المفاوضات المقبلة تفاوضًا على وقائع جديدة لا على استعادة الوضع السابق. في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن أوراق راكمتها طوال عقود. وهي تدرك أن ميزان القوة المباشر ليس في مصلحتها بالكامل، ولذلك يصبح توسيع جغرافيا الضغط جزءًا من قدرتها على التفاوض والصمود. إذا كان هرمز يمثل تاريخيًا واحدة من أهم أوراق إيران الاستراتيجية، فإن الضغط بالقرب من باب المندب يضيف بعدًا مختلفًا. المسألة لم تعد تتعلق فقط بإيران والخليج، وإنما بأحد شرايين التجارة الدولية الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. بمعنى آخر، عندما تضيق الجغرافيا على إيران، تتسع جغرافيا الأزمة. وهذا ربما هو مفتاح فهم المرحلة المقبلة. ليس مطلوبًا من إيران أن تنتصر عسكريًا على الولايات المتحدة كي تحسن موقعها التفاوضي؛ يكفيها أن تجعل استمرار المواجهة أكثر كلفة. وليس ضروريًا أن تكون جميع القوى المتحالفة معها مجرد أدوات تتحرك بقرار واحد من طهران؛ لكل ساحة حساباتها المحلية ومصالحها الخاصة. لكن تراكم الضغط من لبنان إلى العراق والخليج والبحر الأحمر يمنح طهران قدرة على القول إن استقرار المنطقة لا يمكن ترتيبه من دونها. في المقابل، تحاول واشنطن وإسرائيل الوصول إلى نتيجة معاكسة: أن تخرج أي تسوية مقبلة بإيران أقل قدرة على استخدام هذه الجبهات والممرات كورقة ضغط. وهنا تحديدًا يقع لبنان بين مشروعين أكبر منه. إسرائيل تريد ألا تعود إلى الوضع الذي كان قائمًا على حدودها الشمالية قبل الحرب. إيران لا تريد أن تخسر حزب الله باعتباره أحد أهم عناصر نفوذها الإقليمي. الولايات المتحدة تريد دولة لبنانية أكثر قدرة على احتكار القرار الأمني والعسكري. أما لبنان الرسمي، فيريد استعادة أرضه وسيادته ومنع انهيار ما تبقى من اقتصاده ومجتمعه. هذه المصالح قد تتقاطع في مكان، لكنها لا تتطابق. ولهذا يبدو أن الجميع يتفاوض، بينما لا يصل أحد إلى الحل. التقدير الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية هو استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم» في لبنان لفترة إضافية: ضغط عسكري إسرائيلي مستمر بدرجات متفاوتة، مفاوضات تتحرك ثم تتوقف، ضغوط متزايدة بشأن سلاح حزب الله، ومحاولات لبنانية لمنع الانزلاق مجددًا إلى حرب واسعة، في انتظار اتضاح مسار المواجهة الأميركية–الإيرانية. لكن هذا السيناريو، رغم أنه