كل يوم يمرّ يكشف أكثر فأكثر أن سقوط علي الطاهر لم يغيّر المشهد العسكري فحسب، بل بدأ يقلب المعادلة السياسية والاستراتيجية أيضًا. فلم يعد الموقع مجرد تلّة مرتفعة أو نقطة عسكرية على الخريطة، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز تعيد رسم مسرح العمليات، وتفتح مسارات جديدة أمام الجيش الإسرائيلي، وتضع محور إيران- "حزب الله"- "أمل" أمام مأزق تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية. والسؤال اليوم لم يعد فقط: ماذا ستفعل إسرائيل بعد علي الطاهر؟ بل أيضًا: ماذا بقي أمام إيران و"حزب الله" و"أمل" من خيارات؟ وأين قد يحاولون نقل المواجهة المقبلة؟ يبدو أن إيران، في هذه المرحلة، أضعف من أن تردّ مباشرةً على سقوط علي الطاهر أو أن تهبّ لإنقاذ حلفائها في لبنان كما كان يمكن أن تفعل في مراحل سابقة. فهي تواجه ضغطًا متراكمًا نتيجة استراتيجية أميركية تجمع بين الحصار والضغط الاقتصادي، والاستهداف العسكري الانتقائي، والعمل الدبلوماسي. هذه المقاربة لا تسعى بالضرورة إلى حرب شاملة مع إيران، بل إلى تضييق هامش حركتها ورفع كلفة استخدامها لأذرعها الإقليمية. وفي لبنان، يواجه "الحزب" و"الحركة" بدورهما مأزقًا متزايدًا. قدرتهما على المناورة باتت أضيق، وخياراتهما محدودة، فيما يقترب مشروعهما السياسي والعسكري من لحظة شديدة الخطورة. وإذا صحّ هذا التقدير، فإن السؤال الأساسي يصبح: كيف يتصرّف محور يشعر بأن خياراته الخارجية تضيق وأن موقعه الداخلي مهدّد؟ عسكريًا، بات أمام الجيش الإسرائيلي عدد من الخيارات المحتملة. أحدها التوجّه شمالا على امتداد السلسلة الغربية لجبل لبنان، عبر الطرق والمسالك الجبلية التي يمكن أن تصل إلى ضهر البيدر، وبعضها يعود إلى مرحلة الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. وهناك مسار آخر باتجاه الغرب، نحو البحر المتوسط، فيما يمكن تصور محور ثالث على امتداد السلسلة الشرقية لجبل لبنان. وقد تُستخدم هذه المحاور منفردة أو بالتزامن بحسب تطورات الميدان. وتندرج هذه الخيارات ضمن الفكر العسكري الكلاسيكي: التوغّل في عمق أرض الخصم، وعزل جيوب المقاومة وتقطيع أوصالها، ثم التعامل معها كلٌّ على حدة. لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يفترض هذا التحليل أن الجيش الإسرائيلي سيختار بالضرورة مواصلة التقدّم البري انطلاقًا من علي الطاهر. فهناك سيناريو آخر يجب أن يبقى حاضرًا في تقدير الموقف: أن تقرر إسرائيل، بعد تحقيق أهدافها العسكرية في المنطقة، ترك علي الطاهر أو إعادة تنظيم انتشارها حوله، والاكتفاء بتثبيت وتعزيز الخطوط الدفاعية التي أنشأتها لحماية شمال إسرائيل من أي نيران مباشرة، بدل تحويل السيطرة على الموقع إلى نقطة انطلاق لتوغّل أعمق داخل الأراضي اللبنانية. في مثل هذا السيناريو، تصبح قيمة علي الطاهر مختلفة في الحساب الإسرائيلي. فالموقع قد لا يكون بالضرورة محطة أولى في عملية توسّع بري مستمر، بل ورقة ضغط وموقعًا مرتفعًا يساعد على إعادة تشكيل البيئة العملياتية، وتأمين عمق دفاعي ومراقبة المحاور التي يمكن أن تُستخدم لإطلاق النار باتجاه شمال إسرائيل. وإذا اعتبرت القيادة الإسرائيلية أن الخطوط الدفاعية الجديدة، مدعومة بالتفوق الجوي والمدفعي والاستخباري، كافية لتحقيق هدف منع أو خفض خطر النيران المباشرة على شمال إسرائيل، فقد يكون الانسحاب من علي الطاهر أو عدم التمسك به على المدى الطويل خيارًا مطروحًا، خصوصًا إذا أصبحت كلفة البقاء فيه أعلى من قيمته العسكرية. وهذا الاحتمال مهم لأنه يغيّر طبيعة السؤال. فالمعادلة لا تصبح بالضرورة: "إلى أين ستتقدم إسرائيل بعد علي الطاهر؟"، بل قد تصبح: "هل تحتاج إسرائيل أصلًا إلى التقدم بعد علي الطاهر، أم أن هدفها هو تثبيت خطوط جديدة تمنع الوصول إلى شمال إسرائيل بالنيران المباشرة، ثم إدارة ما تبقى من المعركة من مواقع دفاعية أكثر ملاءمة؟". ومن هنا، فإن أي قراءة للخيارات الإسرائيلية يجب أن تبقي الاحتمالين مفتوحين: احتمال التوسع البري والاستفادة من علي الطاهر كنقطة ارتكاز لعمليات أعمق، واحتمال الاكتفاء بالسيطرة المؤقتة أو حتى ترك الموقع لاحقًا بعد تثبيت خطوط دفاعية جديدة تحقق الهدف الأساسي المتمثل في حماية شمال إسرائيل من النيران المباشرة. لكن إسرائيل قد لا تكون مضطرة إلى الاندفاع سريعًا في عمليات برية واسعة. فهي تستطيع استخدام الوقت والضغط العسكري والناري لمصلحتها، مع محاولة الحد من خسائرها البشرية. ومن هنا قد تلجأ إلى تدمير واسع للمناطق التي تعتبرها بنية عسكرية أو قاعدة عمليات قبل أي تقدّم بري، في مقاربة تقترب مما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية". ومع سقوط علي الطاهر، لم يعد الخطر محصورًا جنوب الليطاني. فاتساع الخيارات العسكرية يجعل النبطية والقرى المحيطة بها، وصولًا إلى منطقة الليطاني-الزهراني، جزءًا من الحسابات المحتملة لأي مرحلة جديدة من الم