تنطلق الورقة البحثية «لبنان في مواجهة التحدي الإسرائيلي: جدوى المفاوضات وآفاقها» من إشكالية أساسية تتمثل في أن المفاوضات الحالية لا تجري بين طرفين متكافئين، بل في ظل تفوق عسكري إسرائيلي واضح، مقابل تمسّك المقاومة اللبنانية بعناصر قوتها ورفضها تحويل التفاوض إلى مدخل لنزع سلاحها من دون انسحاب إسرائيلي ووقف للاعتداءات وضمانات جدية. وتبحث الورقة، التي أعدها الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات شفيق شقير، في مستقبل المسار التفاوضي، وما إذا كان قادرًا على إنتاج انسحاب إسرائيلي ووقف للحرب، أم أن تل أبيب تحاول توظيفه لاستكمال ما عجزت عن تحقيقه عسكريًا، عبر الضغط على الدولة اللبنانية ومحاولة تحويل المقاومة من قوة ردع في مواجهة الاحتلال إلى قضية داخلية. وتأتي الجولة المحتملة في سبتمبر/أيلول بعد الجولة السابعة التي عقدت في روما في أغسطس/آب 2026، وسط توقعات بعدم حدوث اختراق كبير، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني. إسرائيل تفاوض من موقع القوة.. لكن المقاومة تمنع الحسم تعود الورقة إلى يونيو/حزيران 2026، حين شهد المسار التفاوضي ذروته مع التوصل في الجولة الخامسة إلى «الاتفاق الإطاري»، الذي فتح الباب أمام ترتيبات لإنهاء الصراع وإقامة قنوات تواصل بين لبنان وإسرائيل، رغم اعتراض حزب الله وحركة أمل وقوى أساسية في البيئة الشيعية على جوانب جوهرية منه. ويقوم الإطار على إعادة انتشار تدريجية للقوات الإسرائيلية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، بدءًا من مناطق تجريبية يفترض أن تنتقل إلى سلطة الدولة بعد التحقق من تفكيك البنية العسكرية للفصائل غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله. غير أن هذا الطرح يكشف جوهر المشكلة: فإسرائيل تريد أن تجعل الانسحاب ثمناً لنزع سلاح المقاومة، من دون تقديم جدول زمني ملزم لإنهاء احتلالها واعتداءاتها. وبذلك تتحول المفاوضات، في جانب منها، إلى محاولة لانتزاع ما لم تستطع إسرائيل انتزاعه بالقوة العسكرية. ولا تبدأ مكاسب إسرائيل من الاتفاق الإطاري وحده، بل من وقف الأعمال العدائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي نقل مركز النقاش من وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود إلى مسألة أمن الحدود الإسرائيلية وقدرة الدولة اللبنانية على ضبط المقاومة. لكن هذا المسار اصطدم بحقيقة أساسية: حزب الله ليس قوة عابرة يمكن إنهاؤها بقرار سياسي أو ضغط عسكري، بل قوة لبنانية متجذرة في بيئتها الاجتماعية والسياسية، ومرتبطة بمعادلات إقليمية تجعل إسقاطها هدفًا بالغ التعقيد. مرتفع علي الطاهر.. نموذج لفشل الرهان على الحسم العسكري تبرز قضية مرتفع علي الطاهر بوصفها نموذجًا لاستخدام إسرائيل الضغط الميداني بالتوازي مع التفاوض. فمحاولة تثبيت السيطرة العسكرية على المرتفع تهدف إلى خلق أوراق ضغط إضافية، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود القدرة الإسرائيلية على فرض وقائع نهائية في الجنوب. فالاحتلال قد يتمكن من التقدم والسيطرة على مواقع محددة، لكنه يواجه واقعًا مقاومًا يجعل تحويل السيطرة الميدانية إلى حسم سياسي مسألة مختلفة تمامًا. ومن هنا، لا تبدو المفاوضات بالنسبة إلى إسرائيل بديلًا حقيقيًا للحرب، بقدر ما تشكل امتدادًا لها بأدوات سياسية ودبلوماسية. فكلما عجز الاحتلال عن فرض أهدافه بالكامل عسكريًا، حاول نقل الضغط إلى الطاولة السياسية وإلى مؤسسات الدولة اللبنانية. لكن هذا الرهان يصطدم بحدود واضحة؛ إذ إن الانتقال من إضعاف قدرات حزب الله إلى إنهائه يتطلب كلفة عسكرية وسياسية هائلة، وقد يفتح مواجهة أوسع مع البيئة اللبنانية التي تشكل المقاومة جزءًا أساسيًا منها. لبنان يتفاوض تحت الضغط.. والمقاومة ترفض التنازل المجاني تدرك السلطة اللبنانية اختلال موازين التفاوض، لكنها تعتبر المسار الحالي أفضل الخيارات المتاحة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب. وقد تمكنت بيروت من إدخال مبدأ الانسحاب التدريجي ضمن الاتفاق الإطاري، إلا أن التطبيق بقي محدودًا، بينما ظلت إسرائيل تحتفظ بهامش واسع للمناورة العسكرية. وهنا تظهر المفارقة: المطلوب من لبنان تقديم تنازلات أمنية وسياسية واسعة، في حين أن المقابل الإسرائيلي لا يزال محدودًا، ولا سيما مع استمرار الاحتلال والاعتداءات. أما حزب الله، فيتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة؛ فهو يرفض تحويل المفاوضات إلى آلية لنزع سلاح المقاومة، لكنه لا يغلق الباب أمام التفاوض غير المباشر الذي يمكن أن يؤدي إلى تحرير الأرض ووقف العدوان. وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في محاولة فرض معادلة تجعل سلاح المقاومة هو الثمن المسبق لأي انسحاب إسرائيلي. المقاومة لا تقبل أن يكون سلاحها ثمنًا للانسحاب يتمسك حزب الله، وفق ما تعكسه الورقة، بأ