هناك سؤال لم يعد يجوز تأجيله، ولا تغطيته بشعارات السيادة والدولة والإصلاح:إذا كان المطلوب حصر السلاح بيد الدولة، فمن يضمن ألّا يكون ثمن استعادة الدولة هو إضعاف الشراكة المسيحية داخلها؟نعم، لا دولة مع سلاح خارج مؤسساتها الشرعية.ونعم، لا سيادة كاملة مع قرار أمني وعسكري موزّع بين الدولة وأطراف أخرى.ونعم، الجيش اللبناني يجب أن يكون صاحب القرار العسكري الوحيد على كامل الأراضي اللبنانية.لكن السؤال الأخطر هو:أي دولة نريد أن نستعيد؟دولة قوية ومتوازنة، أم دولة تستعيد احتكار السلاح فيما تستمر، في الوقت نفسه، اختلالات التمثيل والشراكة داخل مؤسساتها؟هذه ليست معركة مسيحية ضد طائفة أخرى.هذه معركة من أجل لبنان.لا نريد دولة تستعيد السلاح وتفقد الشراكةالمسيحيون في لبنان لا يطلبون دولة تحمي سلاحهم، ولا يريدون سلاحاً خارج الشرعية.على العكس.المطلوب دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار أمني وعسكري واحد.لكن الدولة التي نريدها ليست مجرد سلطة تستعيد السلاح من خارجها، ثم تترك التوازن الوطني يتآكل من داخلها.فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على حصر السلاح.تُقاس أيضاً بقدرتها على حماية الشراكة الوطنية، واحترام التوازن، وضمان تمثيل مكوّناتها في مؤسساتها.لذلك، فإن السؤال المسيحي ليس:«كيف نحافظ على السلاح؟»بل:«كيف نحافظ على الدولة والشراكة معاً؟»لا أحد يطلب من المسيحيين حماية السلاحمن الخطأ وضع المسيحيين أمام معادلة زائفة تقول إن المطالبة بالشراكة تعني الدفاع عن السلاح خارج الدولة.هذا غير صحيح.المسيحي الذي يطالب بدولة قوية لا يدافع عن سلاح غير شرعي.والمسيحي الذي يطالب بتوازن المؤسسات لا يطالب بامتياز طائفي.والمسيحي الذي يريد دوراً فاعلاً في الدولة لا يريد دولة للمسيحيين.يريد دولة يشعر فيها كل لبناني أن موقعه محفوظ، وأن حقوقه السياسية لا تتراجع كلما تغيرت موازين القوى.وهنا تحديداً تكمن المشكلة.إذا كان لبنان ذاهباً إلى مرحلة جديدة عنوانها حصرية السلاح بيد الدولة، فيجب أن تكون هذه المرحلة أيضاً عنواناً لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين.لا أن ينتقل لبنان من اختلال أمني إلى اختلال سياسي جديد.وعلي الطاهر… عندما تصبح الأرض جزءاً من الاختباروهنا تبرز قضية علي الطاهر، لا باعتبارها دليلاً على وجود صفقة سرية، بل باعتبارها واقعة ميدانية تطرح سؤالاً مباشراً عن معنى السيادة اللبنانية.بحسب التقارير المنشورة، طُرح ضمن المسار الأميركي المتعلق بنزع سلاح حزب الله أن تنتقل السيطرة على التلة إلى الجيش اللبناني، لكن الاقتراح لم يُقبل من حزب الله. وفي المقابل، أعلنت إسرائيل في الأيام الأخيرة تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المنطقة.هذه هي الوقائع التي يمكن تثبيتها.أما ما تعنيه هذه الوقائع سياسياً، فهو مجال للتحليل، وليس حكماً نهائياً على وجود تفاهمات سرية أو صفقات إقليمية.وهنا تحديداً يصبح السؤال اللبناني مشروعاً:إذا كان الهدف من أي مسار سياسي أو أمني هو تعزيز سلطة الدولة، فلماذا لا تكون القاعدة البديهية أن تنتقل أي منطقة تخلو من السلاح غير الشرعي إلى سلطة الجيش اللبناني؟وإذا كان المطلوب إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، فلا ينبغي أن تكون النتيجة ملء الفراغ العسكري بقوة أجنبية.التحليل هنا واضح:السيادة لا تكتمل بمجرد إزالة سلاح طرف لبناني من منطقة ما؛ بل تكتمل عندما تصبح تلك المنطقة تحت سلطة الدولة اللبنانية.لذلك، فإن قضية علي الطاهر لا تحتاج إلى افتراض صفقة سرية كي تكون سياسية بامتياز.يكفي أن نسأل:من يقرر مستقبل الأرض اللبنانية؟هل هو لبنان عبر مؤسساته الشرعية؟أم تتحول الوقائع الميدانية والتفاهمات الدولية إلى أمر واقع يحدد مستقبلها؟المطلوب ليس اتهام واشنطن، ولا إسرائيل، ولا حزب الله مسبقاً بتفاهم غير مثبت.المطلوب قاعدة سيادية لا تحتمل الالتباس:أي تسوية تتعلق بأرض لبنانية يجب أن تنتهي إلى الدولة اللبنانية.لا نريد أن ننتقل من مشكلة السلاح خارج الدولة إلى مشكلة الأرض خارج الدولة.لا نريد سلاحاً فوق الدولة، ولا واقعاً أجنبياً بدل الدولة.نريد الدولة.الطائف… عندما تغيّر ميزان الدولةلا يمكن مناقشة موقع المسيحيين في لبنان من دون العودة إلى اتفاق الطائف.فالطائف أنهى الحرب الأهلية، ورسّخ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب، لكنه أعاد أيضاً توزيع السلطة التنفيذية، وجعل مجلس الوزراء مجتمعاً مركز السلطة التنفيذية، فيما بقي رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدتها.ومن هنا يبدأ السؤال الذي لم يُحسم:هل المشكلة في الطائف نفسه، أم في طريقة تطبيقه؟المشكلة ليست أن المسلمين حصلوا على شراكة أوسع.المشكلة تبدأ عندما تتحول الشراكة إلى اختلال.فالطائف لم يكن تفويضاً بإلغاء الدور المسيحي، كما أن المناصفة لم تكن مجرد ترتيب انتخابي؛ بل كانت جزءاً من محاولة إعادة بناء الدولة على قاعدة المشاركة.ل