آتياً من أطراف البقاع، حيث المناخ شبه صحراوي والفضاء مفتوح على برودة الليل وشمس النهار...أصل بيروت. السبب الوجيه للزيارة، سحب بعض المال لشراء الحاجيات. عليك أن تمشي 70 كيلومتراً، وربما أكثر، لبلوغ أقرب فرع للمصرف. من مدينة عاليه، أطلّ على العاصمة من سيارة الأجرة أو ما يسمى الفان. أول ما يستقبلني في منطقة الساحل، الهواء الدافئ وغمامة الدخان فوق بيروت، وسرعان ما يبدأ التعرّق والدبق والعطش. أصل منطقة الكولا، محطات السائقين. العمل جار لإنهاء إعادة ترتيب الرصيف والمسارب. لا أستطيع أن أحصي كم مرة أُنجزت أشغال هذه المنطقة منذ تسعينات القرن الماضي. لا تكاد تنتهي ورشة حتى تبدأ ورشة أخرى، كأنهم يحفرون قناة السويس في زمانها، ورغم كل الورش والطلاء والحفر والتعهدات ورسامني وجهاد العرب وإعادة ترتيب المنعطفات وزرع الأشجار وقلعها، ما زالت البشاعة والرثاثة على حالها. زحمة ودوران في حلقة مفرغة وفوضى ودكاكين رثة ورائحة بَول في الزوايا. أصعد إلى منطقة الجامعة العربية، أمشي على الرصيف المحاذي للملعب البلدي. البلاط أشبه بكراج تصليح سيارات في منطقة صناعية، لكثرة الزيت والأوساخ المترسبة. في بقعة أخرى، كمية من الخبز اليابس وضعت كطعام للحمام واليمام، وتحت شجرة كينا ضخمة، ألحظ أمعاء دجاج على كرتونة...ربّما تُركت طعاماً للقطط. مشهد مقزز بامتياز، صار مألوفاً في الكثير من أرصفة بيروت، حتى في المناطق المسماة راقية. أستقل سيارة أجرة أخرى يقودها رجل عجوز، نحو الغبيري، وسرعان ما يسألني: "من وين حضرتك؟". أتلكأ في الإجابة، إذ أكره هذا السؤال تحديداً. يخبرني السائق أنه من بلدة الخيام الجنوبية، فأسأله عن بعض الشعراء الجنوبيين من رواد شارع الحمرا، فلا يعرف إلا الشاعر محمد العبدالله، جاره، وابن عمه حسن. أترجّل قرب جامع الغبيري، أدخل دارة آل سليم، تبدو غريبة في محيطها، ما زالت تحتفظ بعماراتها القديمة وأشجارها وسط محيط مزدحم، مكدس. باب المصعد مصاب بشظية أحدثت ثقباً كبيراً. ألتقي ناشرة "دار الجديد"، رشا الأمير، في مكتبها. تخبرني أن الشظية من آثار حرب 2024، يومها قصفوا المبنى المجاور وخرجت إلى شرفتها لترى الكوارث. لكن الأصعب بالنسبة إليها كان الأربعاء الأسود، يوم قصفت إسرائيل الشقة المجاورة لشقة والدتها في سوق الغرب، كانت بينها وبين الموت شعرة، وفي اليوم نفسه قضت صديقتها الشعارة خاتون سلمى في قصف المبنى حيث تقطن في تلة الخياط. عاشت رشا لحظات الرعب والخوف، وانتقلت للعيش في مكتب تابع لمؤسسة "أمم". وبعد حديث عن الطباعة والكتب والأشجار والزيتون والمنغا ووردة الفتنة وأطر الزراعة وأبو العلاء عامل الباركينغ والمزارع وقليل من السياسة، تدعوني إلى أخذ بعض الكتب القديمة قبل تلفها. مزوداً بهدايا رشا، كتاب عن عبد الناصر وآخر عن رؤساء لبنان، أنطلق نحو المشرفية، حيث ما زالت صور حسن نصرالله منتشرة بقوّة في المحال والأمكنة العامة. أصعد سيارة باتجاه مكان عملي، السائق يضع حزام الأمان مع عودة الدرك للحديث عن التوعية من مخاطر استخدام الهاتف اثناء القيادة وعدم وضع حزام الأمان، أقول في نفسي ساخراً: كل مشاكل البلد حُلّت إلا حزام الأمان. هي موجة من موجات الدولة، ستهمد قريباً كالعادة، فلا قوانين في البلد إلا الفوضى والهبش والنهب. في مكتب الجريدة، ألتقي الزميل منير الذي يدوّن كتاباً عن قريته بنواتي، ولا بدء من المرور على الزميل علي وسائر الزملاء، محمود، بتول، نغم، جنى، مصطفى، منى... ألتقي يوسف، لم أره منذ مدة، حديث عن الشعر وديوانه الأخير، ويخبرني عن مقال، بعد زيارته بلدة إهدن، حول انسحاب المسيحيين من لبنان الكبير. أعود إلى الشارع، أستقل سيارة الأجرة نحو الكولا. هذه المرة كأني مصاب بالعماء داخل السيارة، ربما بسبب العيش في الفضاء المفتوح، لم عد أحتمل المباني العالية والزحمة والدراجات النارية، وبالكاد انتبهت أني في الطريق الجديدة. يخف شعور العماء حين تصل السيارة قبالة الجامعة العربية. أعود إلى سيارة الفان التي جاءت بي من البقاع، هذه المرة سنسلك طريق ضهور الشوير- ترشيش، هناك تحويل للطريق طوال النهار بسبب الأشغال وأعمال التزفيت، أعمال بطيئة في أوتوستراد مزدحم. في طريق العودة، كأننا في لبنان آخر. فكّرتُ: كآبة الجدران دفعتني يوماً إلى الكتابة، وهنا مشهد الطبيعة الخلابة يغريني بأن أكون فلاحاً. السائق يقول: "المي كل شي". على جانبي الطريق، باعة التفاح الأحمر والأصفر، وأشجار الجوز والعنب والكستناء وسائر النباتات. مشهد ساحر بعكس طريق ضهر البيدر المحاط بتصحّر عمراني وبيئي. ينتهي النهار الطويل مساءً مع ابني في الملاهي. صاحب الملاهي يخبرنا أن الجيش الإسرائيلي فجّر تلال علي الطاهر. مشهد اعتدناه. لقد حولت تفجيرات أنفاق "حزب الله"، الجنوب، إلى كسارة. ضاعت معالم الجنوب، وضاع معها لبنان.