لم تعد مشكلة حزب الله بعد الحرب محصورة في ما خسره من قدرات عسكرية ومواقع ومنشآت، بل باتت في قدرته على إقناع جمهوره بما ينتظره في المرحلة المقبلة. فالحزب الذي بنى طوال عقود صورة القوة القادرة على الصمود والمواجهة، يجد نفسه اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، وأمام أسئلة كثيرة لا تبدو لديه إجابات مقنعة عنها. ولعل ما جرى في علي الطاهر يختصر جانباً من هذا المشهد. فالمنطقة التي ارتبط اسمها بمنشآت عسكرية تحت الأرض وبأهمية استراتيجية كبيرة للحزب، أصبحت في قلب العمليات الإسرائيلية، فيما أعلنت إسرائيل منذ حوالي اسبوع سيطرتها العملياتية على المنطقة وتدمير بنية تحتية تحت الأرض فيها قارب قوة زلزال اكثر من اربع درجات على مقياس ريختر. وقد كان الحزب قد نفى في مراحل سابقة فقدان السيطرة عليها.لكن السؤال الذي يهم جمهور الحزب ليس فقط ماذا حدث في علي الطاهر، بل: ماذا يعني ذلك لمستقبل قدرته العسكرية؟ هل سيعيد الحزب بناء قوته من جديد؟ وهل سيعود إلى المواجهة بالصيغة نفسها؟ وماذا عن القرى التي لا تزال محتلة؟ وماذا عن آلاف العائلات التي نزحت من قراها، وما مصير عودتها وإعادة إعمار مناطقها؟ ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: أين الوعود التي قُطعت للبيئة الحاضنة؟ كيف يمكن لحزب امتلك طوال سنوات شبكة واسعة من الخدمات والرعاية أن يجد نفسه عاجزاً حتى عن تلبية احتياجات الإيواء التي وُعد بها النازحون؟ هذه ليست مجرد أزمة مالية أو إدارية. إنها تمس جوهر العلاقة التي نشأت بين الحزب وبيئته: ماذا يقدم الحزب لجمهوره، وماذا يطلب منه في المقابل؟ والأصعب من ذلك كله هو سؤال السلاح. ماذا سيكون مصيره إذا نجحت الولايات المتحدة وإيران في الوصول إلى تسوية كبرى؟ وماذا سيكون عليه إذا انسحبت إسرائيل إلى حدودها، وأصبح استمرار السلاح خارج الدولة موضع تفاوض داخلي وإقليمي؟ ربما لهذا يبدو حزب الله، في هذه المرحلة، وكأنه ينتظر ما ستؤول إليه التسوية الأميركية ـ الإيرانية قبل أن يحدد شكل المرحلة المقبلة. فالتسوية، إذا حصلت، قد تعيد رسم الكثير من الأوراق الإقليمية، وقد تحدد هامش الحركة المتاح للحزب وما يمكن انتزاعه أو ضمانه له في الداخل. لكن الانتظار لا يحل المشكلة الأساسية. فحزب الله اليوم لا يواجه أزمة سلاح فقط، بل أزمة رواية، وأزمة ثقة، وأزمة إجابات. فقد كان قادراً في السابق على تحويل التضحيات إلى معنى، والهزائم إلى سردية صمود، والانتظار إلى وعد بالنصر. أما اليوم، فإن جمهوره يريد إجابات عن القرى والنازحين والمال والسلاح والمستقبل. وقد يستطيع الحزب، بدعم حلفائه، أن يعيد بناء بعض قدراته وأن يحافظ على وجوده السياسي. لكنه لن يستطيع بسهولة إعادة بناء المعادلة التي حكمت علاقته ببيئته طوال العقود الماضية. فالخطر الحقيقي على حزب الله ليس أن يكون قد خسر جزءاً من سلاحه، بل أن تكون الحرب قد بدأت تسقط في وعي بيئته المسلَّمات التي جعلت هذا السلاح مقبولاً ومبرَّراً. وعندما يبدأ الجمهور بالسؤال عن جدوى الخيارات التي دفع ثمنها، فإن المعركة لا تعود على الأرض وحدها؛ إنها تصبح معركة على مستقبل الحزب نفسه.هذه النسخة، برأيي، أقسى من السابقة لأنها لا تقول إن الحزب "انتهى"، بل تضعه أمام أزمة شرعية ووظيفة وعلاقة مع بيئته؛ وهذا أصعب سياسياً وأكثر قابلية للدفاع عنه.