بعد أكثر من 7 أشهر على مقتل سيف الإسلام القذافي، وقرابة 10 أشهر على خروج شقيقه هانيبال من الاحتجاز في لبنان، أعاد بيان أصدره الأخير لمناسبة الذكرى الـ57 لانقلاب الضباط بقيادة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في الأول من أيلول/سبتمبر 1969، فتح السؤال عن موقع عائلة القذافي في مستقبل ليبيا. فالبيان الذي استعاد ذكرى ما عُرف لاحقاً بـ"ثورة الفاتح" لم يقتصر على رمزية المناسبة. تحدث هانيبال عن إنهاء "الأجسام الموقتة"، والاحتكام إلى الانتخابات، واستعادة السيادة الوطنية، ورفض الإقصاء والمصالحة الوطنية، في خطاب يحمل مفردات سياسية واضحة، وإن كان صاحبه لم يعلن مشروعاً سياسياً أو عزمه الترشح لأي منصب. وزاد توقيت الرسالة دلالتها. فقد جاءت بعد يومين فقط من توقيع اتفاق لجنة الحوار المصغرة "4+4" برعاية الأمم المتحدة في 30 آب/أغسطس، والذي يستهدف إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة الإطار القانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أن يقود المسار إلى انتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. وأحالت البعثة الاتفاق إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ومنحتهما شهراً للموافقة عليه. تكتسب خطوة هانيبال ثقلاً إضافياً بسبب الفراغ الذي خلّفه سيف الإسلام، الشخصية التي ارتبطت خلال السنوات الأخيرة أكثر من غيرها بمحاولة إعادة عائلة القذافي إلى المعادلة السياسية، خصوصاً بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كان مقرراً إجراؤها عام 2021. وأظهر تشييع سيف الإسلام في بني وليد في شباط/فبراير الماضي، بمشاركة آلاف ووسط رفع الرايات الخضراء وصور معمر القذافي، أن الكتلة الاجتماعية المؤيدة للنظام السابق لا تزال قادرة على إظهار حضورها، حتى بعدما فقدت الشخصية التي كانت تراهن عليها سياسياً. جانب من الحشود المشاركة في تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد، 6 شباط/فبراير 2026. (أ ب) ويؤكد الأكاديمي الليبي المتخصص في العلوم السياسية الدكتور رمضان هلاله، لـ"النهار"، أن بيان هانيبال يحمل تلميحات إلى احتمال اضطلاعه بدور في المشهد السياسي، ويتضمن في الوقت نفسه رسالة إلى "أنصار سبتمبر" تدعوهم إلى الحفاظ على تماسك كتلتهم وعدم تفككها بعد غياب سيف الإسلام. ويذهب هلاله أبعد من ذلك، إذ يرى أن البيان صدر بعد تنسيق مع "الدولة العميقة" التي تضم رجالاً محسوبين على النظام السابق داخل الجهاز الإداري، ويحمل رسالة بأن هذا التيار لا يزال جاهزاً للمشاركة في العملية السياسية التي يجري التحضير لها. في المقابل، يرى المحلل السياسي الليبي عبد العزيز إغنية لـ"النهار" أن البيان جاء أساساً لمشاركة أنصار "ثورة الفاتح" مناسبتهم ودعم المحتفلين بها في أجواء يعتبر أنهم يتعرضون فيها للتضييق، مع التركيز على نقاط يمكن أن تجمع الليبيين. ولا يستبعد إغنية أن يكون البيان "بطاقة تعريف سياسية" لهانيبال، معتبراً أن طموحه السياسي يبقى شأناً يخصه ولا يمكن الجزم بما يخطط له، وخصوصاً أنه لا يزال يتعافى من سنوات الاحتجاز الطويلة. وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف في أي رهان سياسي محتمل عليه. فسيف الإسلام أمضى سنوات في إعادة بناء صلاته بأنصار والده، وظهر مرشحاً رئاسياً بالفعل، بينما يدخل هانيبال هذه المساحة من نقطة مختلفة، من دون تجربة انتخابية سابقة أو تنظيم سياسي معلن، وبعد غياب قسري دام نحو عقد. مع ذلك، يبدو خطاب هانيبال محسوباً. فهو ينتقد استمرار المرحلة الانتقالية وتعدد المؤسسات، ويضع الانتخابات والسيادة والمصالحة في صدارة رسالته، وهي عناوين تتقاطع مع مطالب ليبية واسعة بإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى صناديق الاقتراع. ويرجح هلاله أن يكون هناك "تجهيز لترشيح أحد رجال القذافي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حتى لو لم يكن هانيبال نفسه"، معتبراً أن الرسالة تسعى أيضاً إلى دفع المجتمع الدولي إلى القبول بمشاركة أنصار النظام السابق في أي عملية ديموقراطية مقبلة. وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية مع إعادة تحريك المسار الانتخابي. فالولايات المتحدة اعتبرت اتفاق "4+4" تقدماً مهماً نحو مسار موثوق للانتخابات، فيما لا تزال الخلافات الليبية حيال شروط تنفيذ الاتفاق قائمة. وفي 8 أيلول، جدد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة موقفه بأن أي عملية انتخابية يجب أن تقوم على أساس قانوني ودستوري واضح وتوافق بين المؤسسات الليبية. أما إغنية، فيشكك في إمكان فتح المجال بسهولة أمام أنصار القذافي، ويرى أن القوى التي ورثت السلطة بعد سقوط النظام السابق لا تريد توسيع دائرة المشاركة بما يهدد مواقعها، كما يشكك في استعداد القوى الدولية للقبول بعودة سياسية واسعة لأطراف تمثل ذلك العهد. وبين الرؤيتين، يبقى الفارق كبيراً بين امتلاك اسم القذافي والقدرة على تحويله إلى قوة سياسية منظمة. لكن بيان هانيبال يكشف على الأقل أن الفراغ الذي ترك