كتب عماد رزق - مستشار في الشؤون الامنيةفي لعبة الشطرنج الكبرى التي تُلعب على رقعة الجنوب اللبناني، لا أحد يحرّك قطعه عبثاً. كل صمت محسوب، وكل ضربة لها توقيت، وكل دمعة لها ثمن سياسي. والسؤال الذي يشغل بال الجميع اليوم: من يجرّ من إلى الفخ؟في تل أبيب، يعيش بنيامين نتنياهو أسوأ كوابيسه. استطلاعات الرأي تتراجع، ومنافسه غادي آيزنكوت يتقدم، والمحاكمات تنتظره إذا سقط. الرجل الذي قال عنه إيهودا باراك إنه مستعد "لتخريب الدنيا" كي لا يسقط، يبحث عن إنجاز أمني ينتشله من الهاوية. وفي لبنان، يرى نتنياهو الفرصة الذهبية: جبهة يمكن إشعالها، وصور "نصر" يمكن بيعها للناخب الإسرائيلي.لكن في الضاحية الجنوبية، هناك من يراقب بهدوء. "حزب الله" أبلغ من يعنيه الأمر: لن نعطي نتنياهو ما يريد في التوقيت الذي يريده. الصمت العسكري ليس فراغاً، بل سلاح بحد ذاته. الحزب يعرف أن أي رد واسع سيكون هدية انتخابية لنتنياهو، ويمنحه ذريعة لتوسيع الحرب. لكنه يعرف أيضاً أن الصمت الطويل قد يُفسَّر ضعفاً، فيشجع إسرائيل على التقدم أكثر.بين هذين الخيارين، يقف الحزب على حبل مشدود. من جهة، بيئته تضغط: "نريد رداً!"، "لا يمكن السكوت على المجازر". من جهة أخرى، إيران تراقب المشهد بحذر، تريد تحييد إسرائيل والتركيز على مواجهة الأميركيين، لا أن تُستدرج إلى حرب عبر لبنان.وفي بيروت، الدولة اللبنانية تراهن على الأميركيين. الرئيس جوزاف عون مقتنع أن الحل والربط بيد واشنطن. لكن واشنطن، رغم أنها كابح لأي حرب إقليمية، لا تمارس ضغطاً فعلياً على إسرائيل. وكما قال أحد المسؤولين: "لن نكون ملكيين أكثر من الملك".رئيس مجلس النواب نبيه بري يقود اتصالات مكثفة مع الحزب لسحب المقاتلين من الأحياء السكنية، وتمهيد انتشار الجيش. والجيش بدوره أرسل وحداته إلى زوطر الغربية، والعدد في طريقه الى التعزيز. لكن هل يكفي هذا لوقف التصعيد؟المفاوضات في روما متعثرة. الوفد الإسرائيلي يرفض كل طرح لبناني. واتفاق الإطار، الذي كان يُفترض أن يكون مظلة للحل، تحوّل إلى مظلة للتصعيد. والمناطق التجريبية قد تكون مجرد خدعة للمماطلة.الأخطر أن إسرائيل توسّع استهدافاتها. لم تعد الضربات محصورة جنوب الليطاني، بل وصلت إلى النبطية، وإقليم التفاح، وتلال سجد والريحان. وضرب وزارة المال في النبطية كان رسالة واضحة: مؤسسات الدولة ليست محصّنة.فما هي السيناريوهات المرجحة؟السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، هو "الاستنزاف المضبوط". تصعيد محدود، ضربات وردود، من دون حرب شاملة. واشنطن لا تريد حرباً إقليمية، وإيران لا تريد مواجهة مباشرة، و"حزب الله" لا يريد الانجرار. لكن هذا السيناريو يعني استنزافاً طويلاً، ودماءً مستمرة، وأزمة لا تنتهي.السيناريو الثاني، وهو الأخطر، هو "الحرب المحدودة". إذا فشل التصعيد المحدود في ردم الفارق الانتخابي، قد يلجأ نتنياهو إلى توسيع الحرب نحو النبطية وإقليم التفاح في أواخر الشهر. عندها سيكون لبنان أمام حرب مدمرة، وربما تأجيل للانتخابات الإسرائيلية.السيناريو الثالث هو "الاستدراج الإقليمي". إذا ردّ "حزب الله" رداً واسعاً، أو دخلت إيران مباشرة، فقد تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية تعيد رسم الشرق الأوسط. هذا السيناريو أقل احتمالاً، لكن كلفته كارثية.في النهاية، لبنان يدفع الثمن دائماً. صمت "حزب الله" ليس ضعفاً، بل إدارة لتوقيت الرد. ونتنياهو ليس مجنوناً، بل يبحث عن النجاة. وبينهما، يقف لبنان على حافة الهاوية، ينتظر من يجرّ من إلى الفخ أولاً.والسؤال الذي يبقى: هل سينجح "حزب الله" في كبح توقيت نتنياهو، أم سينجح نتنياهو في جرّ لبنان إلى حربه الانتخابية؟الأيام القادمة وحدها ستحمل الجواب. كتب عماد رزق - مستشار في الشؤون الامنية في لعبة الشطرنج الكبرى التي تُلعب على رقعة الجنوب اللبناني، لا أحد يحرّك قطعه عبثاً. كل صمت محسوب، وكل ضربة لها توقيت، وكل دمعة لها ثمن سياسي. والسؤال الذي يشغل بال الجميع اليوم: من يجرّ من إلى الفخ؟ في تل أبيب، يعيش بنيامين نتنياهو أسوأ كوابيسه. استطلاعات الرأي تتراجع، ومنافسه غادي آيزنكوت يتقدم، والمحاكمات تنتظره إذا سقط. الرجل الذي قال عنه إيهودا باراك إنه مستعد "لتخريب الدنيا" كي لا يسقط، يبحث عن إنجاز أمني ينتشله من الهاوية. وفي لبنان، يرى نتنياهو الفرصة الذهبية: جبهة يمكن إشعالها، وصور "نصر" يمكن بيعها للناخب الإسرائيلي. لكن في الضاحية الجنوبية، هناك من يراقب بهدوء. "حزب الله" أبلغ من يعنيه الأمر: لن نعطي نتنياهو ما يريد في التوقيت الذي يريده. الصمت العسكري ليس فراغاً، بل سلاح بحد ذاته. الحزب يعرف أن أي رد واسع سيكون هدية انتخابية لنتنياهو، ويمنحه ذريعة لتوسيع الحرب. لكنه يعرف أيضاً أن الصمت الطويل قد يُفسَّر ضعفاً، فيشجع إسرائيل على التقدم أكثر. بين هذين الخيارين، يقف الحزب على حبل مشدود. من جهة، بيئ