لا يزال إصدار قانون العفو العام الأخير محل تجاذب سياسي وحتى قانوني - دستوري، وبعدما وقّعه رئيس الجمهورية وصدر في الجريدة الرسمية في تاريخ 4 أيلول تحت الرقم 26/70، فتح باب التأويل والتفسير والاجتهاد.فقد لفت كلام القاضية غادة عون التي رأت أن قانون العفو يسقط الملاحقات الجزائية التي أقامها مودعون في وجه المصارف، لناحية جرائم الاحتيال وتبديد الأموال وإساءة الأمانة.فهل هذا الموقف من الاستثناء يستند إلى تفسير دستوري أو فجوة دستورية يمكن "التسلّل" منها لوضع أكثر من اجتهاد وتأويل؟ كلام غير صحيحفي قراءة الخبير الدستوري الدكتور سعيد مالك، أن "المادة الثانية وتحديدا الفقرة العاشرة من القانون تتضمن استثناء على كل الجرائم المتعلقة بتبييض الأموال وجرائم النقد والتسليف، وخصوصا تلك المتعلقة بالمودعين. هي جرائم مستثناة من قانون العفو في شكل صريح وواضح، لا يقبل التأويل والتفسير".ويتدارك: "كل ما يحكى عن أن قانون العفو لم يستثنِ هذه الجرائم هو كلام في غير محله الصحيح، لا سيما أن القانون أقرّ لجهة اعتبار هذه الجرائم مستثناة". توصيف الجرم والخفضأما قراءة الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين فتنطلق من توصيف الجرم بذاته. يشرح أن "المشكلة هي أن قانون العفو العام وضع العفو عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026 كقاعدة عامة في المادة الأولى منه، إنما أخرج عددا محددا ومحصورا من الجرائم من نطاق العفو على سبيل الاستثناء، وقد أوردتها المادة الثانية منه، ولا يجوز التوسّع في تفسير الاستثناء".وفي ما يتعلق بالملاحقات الجزائية التي أقامها مودعون ضد المصارف بتهمة إساءة الأمانة وتبديد الأموال، "يتبيّن من المادة الثانية من قانون العفو العام أنها مستثناة مع عدد من الجرائم الأخرى من نطاق العفو العام، ولكن إذا كانت الأفعال الجرمية تتخذ أوصافا جرمية أُخرى غير معددة حصرا ضمن الاستثناءات فتكون مشمولة بالعفو العام". ويؤكد يمين أن "القول إن القانون استثنى الجرائم المرتبطة بأموال المودعين من نطاق العفو غير دقيق، لأنّ هذه العبارة جاءت في سياق الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف وليست بالمطلق، بحيث يقتضي البحث عن التوصيف الجرمي لأي جريمة بذاتها والتحقق مما إذا كانت مشمولة بالعفو أو بالاستثناءات. والمشكلة الأخرى أن الجرائم المستثناة من العفو يستفيد مرتكبوها من خفض العقوبات بمقدار الثلث، في حين تصبح عقوبة المؤبد 17 سنة سجنية".هكذا، بين العفو العام وخفض العقوبة، تفتح نافذة يمكن الاستفادة منها، ويشدّد يمين على "التوقف عند التوصيف الجرمي للجرائم المرتكبة والتي على أساسها قدمت الدعاوى أو الملاحقات من المودعين، إذ لا يمكن الحديث عن عفو بالمطلق. فإذا كان التوصيف خارج مخالفات محددة نص عليها قانون النقد والتسليف يمكن عندها أن يشملها العفو، لأن العبارة وردت ضمن الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف وليست بالمطلق". وبين التفسيرين والكلام على صياغتين لقانون العفو، أكثر من سؤال يمكن أن تطرحه الفقرة العاشرة من المادة الثانية للقانون. إنما الأخطر قانونا يتجلّى في المادة الثالثة من القانون التي تنص على أن الجرائم التي لم يشملها العفو تخضع لخفض العقوبات.عندها، تصبح المسألة واضحة: في "التوصيف الجرمي" الذي يمكن أن "يستثنى" من العفو، يصبح المودعون خارج العفو، فتدخل الجرائم المستثناة والتي ارتكبت بحقهم في باب خفض العقوبة، لتصبح بدورها عفوا مبطنا!