يمثل العمل، في المجتمعات والاقتصادات المستقرة، قيمة عليا وطريقاً طبيعياً نحو استقلال الإنسان وتحسين مستوى معيشته، فمن خلاله يستطيع تأمين احتياجاته، وبناء مستقبله، ومنح حياته قدراً من الاستقرار والكرامة، ويبعدها عن مواجهة الفقر والعوز.لكن ماذا يحدث حين يقضي الإنسان معظم سنوات حياته في العمل والإنتاج، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تأمين الغذاء أو السكن أو العلاج؟ ماذا يعني أن يعمل الإنسان في أكثر من وظيفة، ومع ذلك يظل فقيراً؟ وكيف يمكنه أن يخطط للمستقبل، وهو عاجز عن تلبية احتياجات يومه الأساسية؟في سوريا، بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تراجع وانكماش لم يعد الفقر يطاول العاطلين عن العمل أو الفئات المهمشة فحسب، بل كذلك الموظف والعامل وصاحب المهنة وغيرهم من الذين يضطرون للعمل ساعات طوال، ومع ذلك يعجزون عن الخروج من دائرة الفاقة.لم يعد العمل، بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، ضماناً كافياً للحياة الكريمة، بل تحول في كثير من الحالات إلى جهدٍ يومي شاق لا يكفي تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. ولا تكمن المشكلة في غياب فرص العمل، بل في أن العمل المتاح نفسه لا يكفي لإخراج الإنسان من حالة الفقر التي يعاني منها معظم السوريين.وبحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2025، وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 90%. كما أشار البرنامج إلى أن الاقتصاد السوري خسر خلال سنوات الصراع جزءاً هائلاً من قدرته الإنتاجية، وأن ثلاثة أرباع السكان تقريباً كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية أو يحتاجون إلى دعم تنموي.من جهة أخرى، قدّر البنك الدولي في تقييمه لعام 2025 أن نحو ثلثي السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نحو ربع السكان يعيشون في فقر مدقع. ولا شك في أن اختلاف الأرقام لا يلغي جوهر المشكلة، بل يؤكد اتساعها وعمقها.أما الأهم من حجم هذه الأرقام المرعبة، فهو ما يفعله الفقر حين يتحول من حالة استثنائية إلى طريقةٍ لعيش ملايين الأسر التي لم تعد قادرة على التخطط للمستقبل بقدر ما تدير موازنة عجزها اليومي: ماذا تشتري؟ أي فاتورة تؤجل؟ هل تدفع الإيجار أم تشتري الدواء؟ وهل يمكن تأجيل احتياجات أساسية أخرى إلى الشهر المقبل؟وهكذا، عندما يصبح الدخل عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الأساسية، تفقد المؤشرات الاقتصادية المجردة جزءاً كبيراً من معناها الاجتماعي، فقد يسجل الاقتصاد المحلي نمواً وتتحسن حركة التجارة والاستثمار وتتراجع معدلات التضخم، لكن ذلك لا يعني أن ثمار التعافي وصلت إلى الأسر الفقيرة والعاملين والكادحين.وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50% بصورة تراكمية منذ عام 2010، فيما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي نحو 830 دولاراً في عام 2024. وعلى رغم الحديث عن دخول الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من التحولات والإصلاحات مع مؤشرات على تحسن بعض المتغيرات النقدية والاقتصادية، إلا أن مخاطر كبيرة في الأداء ونسبة عدم يقين بالمستقبل لاتزال جلية تماماً. فالنمو الذي تتركز ثماره في قطاعات محدودة، أو تتراكم عوائده في أيدي شبكات تملك رأس المال والنفوذ والقدرة على الوصول إلى العقود والصفقات والأراضي والأسواق، قد ينتج الثروة والفقر في آن واحد.وهنا تبرز إعادة الإعمار بوصفها أكبر من مجرد عملية بناء الطرق والمساكن والبنى التحتية، فهي عملية اقتصادية واجتماعية قادرة على أن تحدد بشكل كبير مستقبل الاقتصاد السوري برمته.وقدّر البنك الدولي في عام 2025 تكلفة إعادة إعمار الأضرار المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يعكس ضخامة المهمة وحجم الموارد التي ستحتاجها البلاد، ولكن ضخامة الأموال المطلوبة لا تجيب عن السؤال الأهم الذي يتلخص في كيفية استخدام هذه الأموال، ولمن ستعود ثمارها؟يمكن إعادة الإعمار أن تصبح فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وعدالة، لكنها يمكن أن تتحول أيضاً إلى فرصة جديدة لتركيز الثروة والنفوذ إذا غابت الشفافية والمنافسة والرقابة، فقد ترتفع الأبراج الموعودة، وتُبنى المجمعات التجارية والسكنية، وتتغير ملامح المدن، بينما يبقى العامل الذي ساهم في بنائها عاجزاً عن استئجار منزل لائق أو تأمين العلاج لأطفاله.من السهل تحميل الحرب وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية، إذ لا شك في أن الحرب دمرت البنية التحتية، وأضعفت القطاعات الإنتاجية، واستنزفت رأس المال البشري، ودفعت ملايين السوريين إلى النزوح والهجرة، وعمقت الفقر والبطالة.ومع ذلك، فإن اختزال مسببات الأزمة بالحرب ونتائجها قد يحجب أسئلة أخرى تتعلق بكيفية إدارة الاقتصاد والموارد والمؤسسات خلال سنوات الأزمة وفي الفترة الراهنة والمستقبل القريب.بدورها، ساهمت العقوبات الدولية والقيود الاقتصادية في تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمالية إلى حد كبير، كما