ربما لا توجد كلمة أكثر تواضعًا في اللغة من «كان». فعل صغير يدلّ على زمن مضى. أمّا عند الرحابنة، كان هي مفتاح الزمن الذي لم يعد موجودًا، لكنه لم يغادرنا. ولعلنا لا ننتبه إلى حضور «كان» في الأغنية الرحبانية إلا إذا أصغينا إلى ما نفعله نحن معها. فنحن، في يومياتنا، نادرًا ما نغني الأغنيات كاملة،نستعيد منها مقطعًا، جملة، أو عبارة عالقة في الذاكرة، ونرددها في مناسبة تشبهها أو تستدعيها. وإذا دققنا في ما نردده، سنجد أن كثيرًا من هذه العبارات تبدأ بـ«كان» و«كانت» و«كنا» و«كانوا». كأننا، من حيث لا ندري، نستعيد الزمن بالفعل نفسه قبل أن نستعيد الأغنية. «كان عنا طاحون» ونحن نغني هذه الكلمات الثلاث، نستدعي قرية كاملة: الطاحونة، الجد، الماء، الناس، والضحكات. لا تقول الأغنية إن الطاحونة غابت،كلمة «كان» وحدها تقول ذلك، وتحمل في الوقت نفسه صورتها وغيابها. والرحابنة لا يكتفون بـ«كان»، نراهم يوزعونها على الضمائر: كان عنا طاحون، كانت أصواتهن، كنا وكانوا هالبنات مجمّعين، كنا نتلاقى من عشية،كنتو وكنا تجو لعنا وشو كانت حلوة الليالي. في «كان عنا» هناك شيء كان لنا، وفي «كنا نتلاقى» هناك نحن الذين كنّا، وفي «كانوا» و«كنتو وكنا» يصبح الماضي جماعيًا، علاقة بين «نحن» و«أنتم» و«هم». والأجمل أن «كان» لا تستعيد الأشياء وحدها، بل حتى ما كان يحيط بها. ولا ننسى «وكانت أصواتهن»: حتى الصوت، الذي لا يُرى، يدخل تحت سلطة «كان». وهكذا يصيغ الرحابنة مفارقة جمالية ووجودية: الماضي، الذي يفترض أن يكون غائبًا، يصبح حاضرًا بالغناء. ما إن نسمع "كان" نشعر بغصة لذيذة، فنحن لا نسمعها لنعرف ماذا حدث بل لأننا نعرف أن شيئًا كان "هنا"حدث وانتهى، ونريد أن ننقذه من النسيان.فهذه ال «كان» تقول لنا:كان هنا. ومع ذلك، لا يريد الرحابنة أن يعيدوا كل ما كان، بل أن يبقى منه ما يستحق البقاء. لذلك تأتي عبارتهم كأنها خلاصة هذه الفلسفة: ليس كل ما كان ينبغي أن يعود، لكن بعض ما كان ينبغي ألّا يُهجر. وهكذا تصبح «كان» عند الرحابنة أكثر من فعل للماضي، إنها طريقة لجعل ما مضى حاضرًا، ولإنقاذ ما يستحق فقط من الزمن.