وجد العالم العربي نفسه فجأة في حقبة الثمانينيات: ألوان قوية وجميلة، تسريحة شعر الأسد، راديو وكاسيت، إكسسوار لافت ومكياج جريء. هكذا ظهر المشهد على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن أجيال النوستالجيا والأنيمويا دخلوا في آلة زمن ملوّنة تمرّدت على الواقع المظلم ذي التسريحات الناعمة الخاضعة لأوامر الموضى العالمية والألوان الشاحبة التي ترتدي قناع البساطة، لكنّها تعكس عولمة مخفية تسعى لإنتاج شعوب غير مرئية. فلماذا وجد أغلب العالم العربي أماناً افتراضياً في حقبة الثمانينيات؟"الأنيمويا" وهي الشعور بالحنين لماضٍ لم يعشه الإنسان، لكنه كوّن ذكريات جميلة ودافئة مرتبطة به من خلال أرشيف وحكايا أجيال "النوستالجيا"، وهي شعور تلك الأجيال بالحنين إلى ماضٍ عاشوه فعلاً. هذا الحنين إلى زمن مختلف يعبِّر عن رفض جماعي من مختلف فئات البشر لواقع معيشي صعب. صحيح أن حقبة الثمانينيات لم تكن عالماً وردياً، فقد حصلت أزمات إنسانية عديدة كالحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية-الإيرانية وأزمة الديون والانهيار الاقتصادي، إلا أن التكنولوجيا لم تكن متطورة كعصرنا الحالي. لم يتعرّض الناس في تلك الفترة لكم هائل من الأخبار عن الحروب والكوارث في كل أنحاء العالم، وبالتالي لم يعانوا من الاستنزاف العاطفي. كان الوصول إلى المعلومة أو الخبر يتطلب جهداً ومالاً ووقتاً لم يكن متاحاً في أغلب الأحيان، ولم يشاهد الناس في الثمانينيات توثيق اللحظة للمشاهير والناس العاديين على حد سواء وتعرّض هولاء لآراء ناس مختصة وغير مختصة، أخلاقية وغير أخلاقية على الملأ من دون حسيب أو رقيب. فربما أن توليد صورة لإنسان من خلال الذكاء الاصطناعي بشعر كثيف ومبعثر ومتمرد يظهر أكتر من مجرد إعجاب بتسريحة ما، فقد يعبِّر هذا السلوك الجماعي عن موجة إنسانية رافضة لضغوط الرأسمالية الأبوية المكياڤلية العالمية المسيطرة. فكلنا يعلم أن أحد أهم أسباب تساقط الشعر هو التوتر المزمن أو الضغط النفسي المتواصل، وهذا ما يحصل تماماً في عصرنا الحالي نتيجة الاحتراق الوظيفي. لذلك، خلق مظهر الشعر الكثيف والمنفوش حنيناً لعالمٍ خالٍ من الضغوط والمسؤوليات والأزمات اللامتناهية في اللاوعي الجمعي.تمرّد الألوان على الحداثة وما بعدها:نعيش اليوم في ما أسميه بحقبة الهروب من مواجهة الذات، الفرد في مجتمعاتنا يتجنب لحظات التأمل، وإذا لجأ إلى العزلة يملؤها بضجيج منصات التواصل الاجتماعي حتى يصل إلى مرحلة التعفن الدماغي جرّاء مشاهدة مقاطع فيديو قصيرة الواحدة تلو الأخرى لساعات طويلة. هذه المقاطع القصيرة المتتالية غير مرتبطة ببعضها البعض، وغير منسجمة مشاعرياً أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، فيديو قصير يجعلك تضحك وبعده فيديو آخر يحثّك على البكاء، ثم فيديو آخر يشعرك بالاشمئزاز، وآخر بالغضب. يستمر هذا التضارب في المشاعر الإنسانية لساعات وأيام وربما سنوات حتى تفقد المشاهد تأثيرها الحقيقي على الإنسان، فتصبح ردة الفعل المتوقعة باهتة، باردة، حيادية تماماً كألوان عصرنا في الأزياء، ملابس هجرتها ألوان الطبيعة، فباتت صورة فاقدة للحياة تعكس المتطلبات النهمة للشركات والمؤسسات الرأسمالية من العمّال والموظفين: قطيع متشابه يرتدي الألوان الباهتة كدليل على عدم وجوده في مراكز صنع القرار وعدم تميّز أي فرد لضمان طاعة الأغلبية غير المرئية للأقلية المرئية.ألوان الثمانينيات تجعلك تقول للعالم: "أنا هنا، أنا لافت، إذن أنا موجود!". الأقلية الحاكمة في العالم ربطت الألوان الزاهية بالابتذال والرجعية، والألوان الباهتة بالرقي والتحضر. هذا الربط بين اللون والمستوى الاجتماعي والفكري حرم الإنسان الحديث من الظهور بألوان جريئة تعكس طبيعة الإنسان المتمردة. لعلّ هذا الترند يبدو جميلاً وربما مضحكاً في الظاهر، لكن جذوره تكشف سوداوية المشهد الحقيقي للإنسان الحديث، ذلك الإنسان المهووس في توثيق اللحظة بألوان زائفة عدّلها الذكاء الاصطناعي لإخفاء شحوب المستقبل الموعود على وجهه، ليهرب إلى ماضٍ قريبٍ يوهمه بنضارة الحياة!