تكشف المعطيات المتداولة داخل الإدارة الأميركية عن تزايد القلق من طول أمد الحرب على إيران وكلفتها العسكرية، في وقت سعى فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى الحصول على تقييمات ميدانية مباشرة من كبار القادة العسكريين، بعيداً عن الصياغات الرسمية التي تصدر عن البنتاغون. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، أجرى فانس اتصالات مباشرة مع عدد من كبار القادة العسكريين الأميركيين، بهدف الحصول على تقييمات دقيقة وغير "منمقة" بشأن الحرب على إيران. واستندت الصحيفة إلى مقابلات مع أكثر من 6 مسؤولين حاليين وسابقين، اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً إلى حساسية المعلومات. وبحسب هؤلاء، سعى فانس، الذي كان من أبرز المعارضين للحرب منذ بدايتها وكلفه الرئيس دونالد ترامب بالمساعدة في إنهائها، إلى الاستماع إلى التقييمات الميدانية مباشرة من القادة العسكريين قبل إدراجها ضمن الرؤية الرسمية للبنتاغون. ووفق المصادر، تواصل فانس خلال الربيع والصيف مباشرة مع قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، وقائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأدميرال صموئيل بابارو، إضافة إلى ضباط في أوروبا وآسيا. وعلى الرغم من أن القوات الأميركية في أوروبا وآسيا لا تشارك مباشرة في الحرب مع إيران، فإن مخزوناتها من الأسلحة والمعدات تراجعت نتيجة نقل جزء منها لدعم العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. وتركزت الاتصالات على أهداف الحرب وتكتيكاتها وتقديرات الخسائر، إضافة إلى السيناريوهات المحتملة لتحركات إيران في مضيق هرمز، ومدى تطور قدرتها على التكيف، وحجم الأضرار التي يمكن أن تتحملها حكومتها. كما طلب فانس عرضاً تفصيلياً عن حجم الأسلحة المتبقية في مخزونات القوات الأميركية، ومدى تأثير نقلها إلى الشرق الأوسط في القدرات العسكرية الأميركية في مناطق أخرى. وبحسب المسؤولين، عبّر عدد من القادة العسكريين بوضوح عن قلقهم من التراجع الحاد في مخزونات صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، التي تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الدفاع الجوي الأميركية. كما أشاروا إلى أن مخزونات ذخائر أساسية أخرى، من بينها الصواريخ المخصصة لمنظومات "أتاكمس"، وصلت إلى مستويات متدنية جداً. وقالت الصحيفة إن فانس خرج من بعض هذه الاتصالات بقلق عميق بشأن الاستراتيجية العامة للحرب وفرص نجاحها، بعدما أظهرت التقييمات مدى استعداد الحكومة الإيرانية لتحمل الخسائر والأضرار في معركتها من أجل البقاء. كما أظهرت التقييمات محدودية مخزون الأسلحة الدفاعية الأميركية المتاح للتصدي للضربات الإيرانية الانتقامية، أو التعامل مع أي تهديدات محتملة في مناطق أخرى من العالم. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن فانس نقل هذه التقييمات إلى ترامب ودائرته المقربة، بالتزامن مع تلقي الرئيس الأميركي إحاطات من رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بشأن الضغوط التي تتعرض لها مخزونات الأسلحة الأميركية وقدرة القوات الإيرانية على الصمود. وبحسب المسؤولين، واجه ترامب في البداية صعوبة في تصديق بعض هذه التقديرات. وفي المقابل، بدت هذه التقييمات المقلقة مختلفة عن الخطاب العلني لكبار مسؤولي الإدارة، وبينهم ترامب وفانس نفسه. فقد واصل ترامب التأكيد أن الولايات المتحدة حققت انتصاراً في الحرب، وأن الجيش الإيراني تعرض لأضرار واسعة، نافياً في الوقت نفسه وجود مشكلات في إمدادات الأسلحة الأميركية. كما قلّل فانس في تصريحات علنية من توصيف المواجهة على أنها حرب. وفي اجتماعات خاصة، عبّر ترامب عن غضبه من التقارير الإعلامية التي تحدثت عن تراجع مخزونات الأسلحة، ووصف الصحافيين الذين نشروا هذه المعلومات بأنهم "خونة". وعقب نشر تلك التقارير، خضع عشرات كبار الضباط في وزارة الحرب لاختبارات كشف الكذب. وبحسب الصحيفة، لم يكن ترامب يتوقع في البداية أن تستمر الحرب، التي بدأت في 28 شباط الماضي، لفترة كافية تؤدي إلى استنزاف المخزونات الأميركية، إذ كان يتوقع انهيار الحكومة الإيرانية خلال أيام. إلا أن الحرب تجاوزت بكثير فترة الأسابيع الـ6 التي كان مخططو البنتاغون قد قدروها مبدئياً للعملية. وبحلول نيسان، أدرك ترامب، وفق الصحيفة، أن الحرب لا تسير بالشكل الذي كان يأمله، فأذن لفريقه، ومن بينهم فانس وصهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بالبدء في البحث عن إطار تفاوضي واتفاق مع إيران لإنهاء الصراع، بما يبقي السلطات الإيرانية في الحكم. ولم يتمكن المسؤولون المطلعون على اتصالات فانس من تحديد ما إذا كانت هذه التقييمات قد أسهمت مباشرة في دفع ترامب نحو المسار الدبلوماسي. وتعكس هذه الاتصالات حجم القلق داخل الإدارة الأميركية من استمرار حرب تجاوزت التوقعات الأولية وفرضت ضغوطاً متزايدة على مخزونات الأسلحة، في وقت تظهر فيه فجوة واضحة بين التقييمات العسكرية الداخلية والتصريحات العلنية