هل يستطيع لبنان تحمّل حرب بلا نهاية؟ هل يستطيع لبنان تحمّل حرب بلا نهاية؟كل سنة إضافية من عدم الاستقرار تعني خسائر تتراكم على لبنان في الاقتصاد والاستثمار... بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبنانيلم يعد السؤال في لبنان كم ستطول الحرب، بل كم يستطيع البلد أن يتحمّل.فلبنان دخل هذه المواجهة فيما لم يكن قد تعافى بعد من تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي الذي بدأ عام 2019.ورغم أن مؤشرات أولية كانت قد بدأت تلوح بإمكانية التعافي، شرط المضي في الإصلاحات وتحقيق الاستقرار السياسي وتدفّق أموال إعادة الإعمار، فإن اندلاع الحرب مجددآ واستمرارها بدّدا هذه الفرصة وأعادَا البلاد إلى دائرة جديدة من الأزمات، ما أفسد كل مسار التعافي الذي كان قد بدأ يتشكل.وهنا تكمن المفارقة اللبنانية: البلد يحتاج إلى الاستقرار كي يصلح اقتصاده، لكنه لا يستطيع إصلاح اقتصاده فيما يبقى الاستقرار نفسه مهددًا.الحرب لا تكلّف لبنان فقط ما تدمره من منازل وطرق ومؤسسات. كلفتها الحقيقية أكبر بكثير.إنها تعني استثمارات تتأجل، وسياحة تتراجع، ومؤسسات تتردد في التوسع، وشركات تنقل أعمالها إلى الخارج، وشبابًا إضافيين يفكرون في الهجرة.وكلما طال أمد الحرب، أصبحت العودة إلى النمو أكثر صعوبة، واتسعت الفجوة بين ما يحتاجه لبنان للخروج من أزمته وما يستطيع فعليًا أن يفعله.وهنا تظهر كلفة أخرى لا تقل خطورة عن كلفة الدمار المباشر: كلفة الوقت الضائع والفرص الضائعة.فالوقت بالنسبة إلى لبنان لم يعد مجرد عنصر في عملية التعافي، بل أصبح موردًا نادرًا بحد ذاته.كل سنة إضافية من عدم الاستقرار لا تعني فقط مزيدًا من الوقت الضائع، بل تعني خسائر تتراكم على لبنان في الاقتصاد والاستثمار والإصلاح وبناء مؤسسات الدولة.ففي الوقت الذي تتقدم فيه دول المنطقة وتستقطب الاستثمارات والفرص، يخسر لبنان سنة أخرى من قدرته على المنافسة، وتهاجر طاقاته، وتُستنزف مؤسساته، وتتراجع الثقة بمستقبله.والأخطر أن كلفة عدم الاستقرار لا تُقاس فقط بما يُدمَّر اليوم، بل أيضًا بما يُحرم لبنان من بنائه غدًا.فكل سنة تمر من دون استقرار هي سنة كان يمكن أن تكون فرصة للاستثمار والنمو والإصلاح واستعادة الثقة.وما يخسره لبنان، بالتالي، ليس حاضرَه فقط، بل جزءًا من مستقبله أيضًا.فالدولة التي تحتاج إلى سنوات لإعادة بناء اقتصادها لا تستطيع أن تستهلك هذه السنوات في إدارة الأزمات المتتالية.وقد تكون هذه هي الكلفة التي لا تظهر في أرقام الخسائر وإعادة الإعمار: أن يخسر لبنان الوقت الذي يحتاجه أصلًا لإنقاذ اقتصاده، وأن يخسر معه فرصًا قد لا تتكرر.والأخطر أن لبنان لا يملك اليوم احتياطًا اقتصاديًا كبيرًا يسمح له بامتصاص صدمة جديدة.الدولة تعاني من ضعف قدرتها المالية، والقطاع المصرفي لم يتعافَ من انهياره، والمودعون لم يحصلوا بعد على حل نهائي لأزمة ودائعهم، فيما يعمل القطاع الخاص في بيئة يطغى عليها عدم اليقين.ومن السهل سياسيًا اختزال الأزمة المالية اللبنانية في مسؤولية جهة أو شخص واحد، لكن هذه قراءة لا تعكس حقيقة ما جرى.فالانهيار المالي لم يكن نتيجة قرار واحد أو سياسة منفردة، بل كان حصيلة سنوات طويلة من السياسات والقرارات المالية والاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، وأدت إلى تراكم العجز والدين والهدر، من دون معالجة جذرية للاختلالات التي كانت تتسع عامًا بعد عام.فقد استمر الإنفاق العام من دون إصلاح حقيقي، وتراكم الهدر في قطاعات أساسية، وكان ملف الكهرباء أحد أبرز الأمثلة على استنزاف المال العام، إلى جانب مشاريع وإنفاقات عامة أثارت تساؤلات جدية حول كلفتها وجدواها، ومنها ما ارتبط بملفات السدود والبنية التحتية.كما ساهمت سياسات الدعم وضعف الرقابة على الحدود في استنزاف الموارد والعملات الأجنبية، ولا سيما من خلال تهريب الدولار والوقود والمواد الغذائية المدعومة إلى سوريا، في وقت كان فيه الاقتصاد اللبناني يواجه أصلًا ضغوطًا مالية ونقدية متزايدة.ولم يصل لبنان إلى هذه المرحلة بين ليلة وضحاها، بل نتيجة مسار طويل تراكمت خلاله الاختلالات، وتأجلت معالجة الخسائر، واستمر الإنفاق من دون إصلاحات بنيوية، إلى أن انهار النموذج المالي والاقتصادي وانكشفت حقيقة الأزمة.لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن كبش فداء أو اختزال الانهيار في شخص أو مؤسسة، بل وضع السياسات والقرارات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في سياقها، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع، ومعرفة كيف تراكمت الخسائر ومن يتحمل كلفتها في النهاية.فالهدف من المحاسبة ليس الانتقام السياسي، بل منع تكرار الأخطاء نفسها وبناء نموذج اقتصادي ومالي أكثر استدامة.بعد سنوات من الانهيار، لا يزال لبنان يحاول الإجابة عن أسئلة أساسية: ما حجم الخسائر؟ كيف تراكمت؟ من استفاد من بعض السياسات؟ ومن يتحمل في النهاية كلفة ما حدث؟هذه ليست مشكلة محاسبية فقط. إ