تستعد القوات الإسرائيلية لإخلاء مواقعها المباشرة فوق مرتفعات علي الطاهر، لكن هذه الخطوة لا تعني انسحاباً من المنطقة أو تخلياً عن السيطرة عليها. فالخطة التي وضعتها قيادة المنطقة الشمالية تقوم على نقل القوات إلى خطوط دفاعية خلفية، تتيح لها مواصلة المراقبة والتحكم بالنيران من نقاط أكثر تحصيناً وأقل عرضة للاستهداف. ونقل موقع "يديعوت أحرونوت" عن مصادر أمنية إسرائيلية أن القوات ستغادر المرتفعات بعد انتهاء عملية تفجير المنشآت تحت الأرض، على أن يعاد توزيعها في مواقع تمنحها القدرة على مراقبة تحركات حزب الله واستهداف أي محاولة للعودة إلى المنطقة. وبحسب التقرير، درست قيادة المنطقة الشمالية تضاريس الميدان وحددت نقاطاً جديدة تسمح بتقليص عديد القوات من دون خسارة التفوق البصري والناري. ويعني ذلك عملياً الانتقال من الانتشار المباشر والكثيف إلى سيطرة أقل ظهوراً، تعتمد على المواقع المرتفعة والمراقبة الجوية والنيران البعيدة. ويأتي هذا التحول بعد إعلان الجيش الإسرائيلي تدمير شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت التابعة لحزب الله باستخدام 1,100 طن من المواد المتفجرة. ووفق الرواية الإسرائيلية، تجاوز طول المنشآت كيلومترين، وعُثر داخلها على عشرات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الصنع، إلى جانب رشاشات وصواريخ مضادة للدروع ومئات الألغام والعبوات الناسفة. كما تحدث الجيش الإسرائيلي عن اكتشاف مركز قيادة رئيسي تابع لوحدة “بدر”، يضم غرف عمليات ومستودعات أسلحة وأماكن إقامة تسمح للعناصر بإدارة القتال والبقاء تحت الأرض لفترات طويلة. ووصف المنشآت بأنها من بين البنى “الأكثر أهمية وعمقاً” التابعة لحزب الله في المنطقة. ورجّح التقرير أن تكون موجات الغارات التي استهدفت منطقة النبطية قد نُفذت للتشويش والتمهيد للعملية الهندسية الحساسة التي انتهت بتفجير الشبكة. كما وصف العملية بأنها حدث قد يؤثر في التفاهمات المرتبطة بما يعرف بـ“المناطق التجريبية”، زاعماً أن الجيش اللبناني لا يؤدي مهماته فيها بالمستوى الذي تريده إسرائيل. وتكتسب إعادة التموضع أهمية إضافية في ضوء إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش سيبقى في ما وصفاه بـ“المنطقة الأمنية”، وسيواصل حماية مستوطنات الشمال “من داخل لبنان”، وتدمير المنشآت ومنع حزب الله من إعادة بناء قدراته. ويكشف الجمع بين الموقف الرسمي والمعلومات العسكرية أن إسرائيل لا تتحدث عن انسحاب بالمعنى التقليدي، بل عن إعادة رسم انتشارها داخل الأراضي اللبنانية. فالقوات قد تترك مواقع متقدمة أو مكشوفة، لكنها تعتزم الاحتفاظ بقدرتها على الرصد والاستهداف من مواقع خلفية. وتهدف الخطوة أيضاً إلى تقليص احتمالات تعرض القوات لهجمات مباشرة، بعدما وضعت الأجهزة العسكرية الإسرائيلية عدة سيناريوهات لرد محتمل، بينها استخدام مسيّرات انقضاضية ضد المواقع أو إطلاق صواريخ على المستوطنات الشمالية، رغم تصنيف احتمال وقوع رد واسع بأنه منخفض. وتقول إسرائيل إنها تريد حصر تداعيات عملية علي الطاهر ومنع انتقال المواجهة إلى مناطق أخرى في جنوب لبنان. إلا أن انتقال قواتها إلى خطوط خلفية قد يحوّل المنطقة إلى حزام دائم للمراقبة والنيران، تديره من مواقع ثابتة من دون الحاجة إلى انتشار واسع فوق المرتفعات. وبذلك، يصبح السؤال لبنانياً ليس ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستغادر علي الطاهر، بل إلى أين ستنتقل، وما المسافة التي ستتراجع إليها، وهل ستبقى مواقعها الجديدة داخل الأراضي اللبنانية، ومن سيتولى فعلياً الأرض التي تخليها. فما تقدمه إسرائيل على أنه تخفيف للانتشار قد يكون، في حقيقته، انتقالاً من الاحتلال المباشر لمرتفعات علي الطاهر إلى السيطرة عليها عن بُعد.