تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على نماذج لغوية كبيرة تعالج المعرفة من خلال الكلمات والقواعد البشرية، فيما يعتمد التفكير البشري بدرجة كبيرة على اللغة. وتدفع هذه العلاقة الباحثين إلى دراسة كيف تحدّ المفردات والقواعد من أداء الدماغ البشري والشبكات العصبية الاصطناعية. بحسب موقع Futura، لم تعد الكلمات تُدرس باعتبارها مجرد تسميات للأفكار الموجودة، بل يتعامل علماء الإدراك ومهندسو الحاسوب مع اللغة بوصفها أساساً للتفكير نفسه. وإذا افتقرت شبكة بيولوجية أو اصطناعية إلى المفردات الخاصة بمفهوم معين، تتراجع قدرتها على التفكير من خلال هذا المفهوم. كيف تغيّر المفردات طريقة التفكير؟ تشكّل اللغة والبنية المعرفية كل منهما الأخرى بصورة مستمرة. ويمكن لتوسيع المفردات أو تطوير البنى النحوية أن يغيّر طريقة تصنيف المعلومات الحسية وتخزين الذكريات. ويستشهد المصدر بثقافات تمتلك كلمات منفصلة لوصف فروق دقيقة بين درجات الألوان، إذ يظهر أفرادها سرعة أكبر في التعرّف العصبي للأطوال الموجية المحددة. ويقدم تاريخ الرياضيات مثالاً آخر على توسع اللغة والمفاهيم. فبينما استخدم علماء البابليين والمايا القدماء رموزاً أساسية للدلالة على الخانات الفارغة، صاغ عالم الرياضيات الهندي براهماغوبتا الصفر كمفهوم رياضي مستقل في مؤلفه «براهمَسفوتَسِدّهانتا» عام 628. وبعد قرون، تبنت التجارة والرياضيات الأوروبية هذا المفهوم عبر الترجمات العربية. ويربط المصدر إضافة هذا المفهوم التجريدي بتوسع القدرات العلمية والمالية والتكنولوجية عالمياً. حدود الرياضيات تصل إلى الذكاء الاصطناعي رغم دقة الرياضيات مقارنة باللغة الطبيعية، فإنها تواجه بدورها حدوداً أساسية. ففي عام 1931، نشر عالم المنطق كورت غودل مبرهنات عدم الاكتمال، وبيّن أن أي نظام بديهي متسق وقادر على إجراء الحساب الأساسي يتضمن عبارات صحيحة لا يمكن إثباتها باستخدام قواعد النظام نفسه، كما أن الإطار المنطقي الرسمي لا يستطيع إثبات اتساقه من دون الاعتماد على نظام أوسع، يرث بدوره القيد الأساسي نفسه. ينطبق هذا الحد الرياضي - بحسب المقال - مباشرة على الذكاء الاصطناعي، إذ يعتبر أن الشبكات العصبية تعمل على منطق رمزي؛ ولذلك تواجه الحاجز نفسه الذي حدده غودل: لا يستطيع أي نظام إثبات استنتاجاته بالكامل بالاعتماد على قواعده الداخلية وحدها. صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي) وتحتفظ اللغة الطبيعية، رغم افتقارها إلى دقة الرياضيات، بميزة التعامل مع تعقيدات الحياة اليومية غير المتوقعة بفضل مرونتها؛ فالتواصل اليومي يعتمد على الاستعارة والسياق والمعاني الضمنية، وهي أدوات تساعد البشر على التعامل بكفاءة مع المعلومات غير المكتملة. وتواجه النماذج الاصطناعية صعوبة في هذه المرونة. فزيادة بيانات التدريب تساعد نموذج الذكاء الاصطناعي على توقع البنية اللغوية بدقة إحصائية، فيما يتطلب الفهم الحقيقي إدراك العلاقات الكامنة وراء الرموز. وتشير الخلاصة إلى أن رفع سقف أداء النماذج اللغوية يتطلب أكثر من زيادة عدد المعلمات أو قوة الأجهزة. فالذكاء الاصطناعي والبشري يظلان مقيدين بالحدود البنيوية وكثافة المفردات والهندسة المنطقية للغات المستخدمة في تدريبهما.