تصل موازنة 2027 إلى اللبنانيين برسالة مطمئنة ظاهرياً: لا حزمة جديدة من الضرائب. لكن قراءة الطريقة التي تنوي الدولة من خلالها تمويل نفقاتها تكشف أن العبء لم يختفِ، بل انتقل إلى الجباية اليومية التي يدفعها المواطن من دون أن يراها كبند مستقل. فالموازنة تراهن على زيادة الإيرادات العامة من 6.02 مليارات دولار مقدرة في 2026 إلى نحو 6.87 مليارات دولار في 2027، أي بزيادة تقارب 850 مليون دولار. والسؤال هنا ليس فقط كيف ستجمع الدولة هذا المبلغ الإضافي، بل من سيدفعه فعلياً. الأرقام المنشورة عن المشروع تظهر أن الضرائب ستؤمن 85.9% من الإيرادات العامة، فيما تستحوذ الضرائب على السلع والخدمات وحدها على 52.27% من مجمل الإيرادات. وعند إضافة الرسوم الجمركية البالغة حصتها 10.89%، يتبين أن قسماً كبيراً من تمويل الدولة سيأتي من الاستهلاك والاستيراد. هذا النوع من الضرائب لا يراعي الفوارق بين المداخيل. فصاحب الراتب المحدود والميسور يدفعان الرسم نفسه عند تعبئة البنزين أو شراء السلعة ذاتها، لكن أثره يكون أقسى على الأول. لذلك، قد لا تعلن الحكومة زيادة مباشرة على ضريبة محددة، فيما ترتفع فعلياً المبالغ التي تسحبها من حركة السوق وجيوب المستهلكين. المثال الأوضح يظهر في المحروقات، إذ يتوقع مشروع الموازنة ارتفاع إيرادات الضريبة عليها بنحو 870% مقارنة بتقديرات موازنة 2026. ولا تعني هذه القفزة أن الضريبة سترتفع بالنسبة نفسها، بل تعود أساساً إلى إدخال رسوم بدأ تحصيلها خلال 2026 ولم تكن محتسبة في تقديرات الموازنة السابقة. لكن النتيجة المالية لا تتغير كثيراً بالنسبة إلى المواطن: الدولة تراهن على جباية أكبر من الوقود، في وقت تجاوز فيه سعر برميل خام برنت مستوى 100 دولار نتيجة المواجهات الإقليمية والمخاطر المحيطة بممرات الطاقة والملاحة. وقد لا يؤدي ارتفاع سعر النفط العالمي تلقائياً إلى زيادة الرسم المحلي إذا كان محدداً بقيمة ثابتة، لكنه يرفع الكلفة الإجمالية التي يتحملها اللبناني. فالسعر العالمي المرتفع يصل إلى السوق بالتزامن مع رسوم محلية أصبحت ركناً أساسياً في إيرادات الخزينة. وتنتقل هذه الكلفة من محطة الوقود إلى مختلف القطاعات. ارتفاع البنزين والمازوت يعني فواتير أكبر للنقل والمولدات والشحن والتبريد والإنتاج، ثم أسعاراً أعلى للغذاء والدواء والخدمات والسلع المستوردة. ولا يقتصر رهان الموازنة على المحروقات، بل يشمل زيادة متوقعة في إيرادات ضريبة الدخل بنسبة 66%، وأرباح الريجي بنسبة 64%، والضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10.76%. كما يتضمن المشروع إجراءات لزيادة التحصيل من المداخيل الخارجية وبعض الأرباح العقارية والشقق السكنية الشاغرة. في المقابل، تذهب أكثر من نصف النفقات، بنسبة 53.54%، إلى الرواتب والتقديمات الاجتماعية، بينما لا تتجاوز حصة الإنفاق الاستثماري 10.82%. وبذلك، تستخدم الدولة القسم الأكبر من الجباية لتمويل نفقات جارية، من دون زيادة موازية في المشاريع المنتجة والبنى التحتية والخدمات. ويزيد غياب أي سلفة لمؤسسة كهرباء لبنان من علامات الاستفهام، خصوصاً إذا استمر ارتفاع أسعار النفط. فمن أين سيمول شراء الفيول؟ وهل ستُنقل الزيادة إلى التعرفة، أم ستتراجع التغذية، أم ستظهر لاحقاً حاجة إلى اعتماد لم تلحظه الموازنة؟ قد تنجح الحكومة في تقديم موازنة متوازنة من دون عجز معلن، لكن التوازن المحاسبي لا يعني أن الاقتصاد أصبح أقوى. فعندما تأتي الزيادة في الإيرادات من المحروقات والاستهلاك والرسوم، يكون المواطن هو من يسدد العجز مسبقاً عبر كل فاتورة وصفيحة وسلعة. ليست المشكلة إذاً في غياب ضريبة جديدة تحمل اسماً واضحاً، بل في وجود جباية إضافية موزعة داخل الأسعار والمعاملات اليومية. إنها موازنة بلا ضرائب جديدة في عنوانها، لكنها تعتمد على اللبنانيين لجمع نحو 850 مليون دولار إضافي خلال عام واحد.