لم يعد ما جرى في مرتفعات علي الطاهر مجرد عملية عسكرية انتهت بتفجير شبكة من الأنفاق. فالانفجار الضخم الذي هز منطقة النبطية وأجهزة الرصد، شكّل لحظة انتقال من السيطرة الإسرائيلية على المرتفع إلى إعلان سياسي واضح: الجيش الإسرائيلي باق داخل لبنان، وحماية مستوطنات الشمال ستتم من الأراضي اللبنانية. وفي بيان مشترك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن تدمير البنية التحتية تحت علي الطاهر استكمل تثبيت ما سمياه “المنطقة الأمنية”، مؤكدين أن القوات الإسرائيلية ستبقى فيها لمنع “حزب الله” من استعادة وجوده وإعادة بناء قدراته. هذه العبارة تحديداً تختصر التحول الأخطر. فإسرائيل لم تعد تقدم انتشارها باعتباره تحركاً مؤقتاً ينتهي بإزالة خطر مباشر، بل ربطت الانسحاب بشرط مفتوح هو التأكد من عدم قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه. وهو شرط لا يملك معياراً واضحاً أو مهلة زمنية محددة، ويمكن استخدامه لتبرير بقاء طويل الأمد. وبحسب البيان الرسمي للجيش الإسرائيلي، جاءت عملية التفجير بعد سيطرة قوات الفرقة 36 على المرتفع فوق الأرض وتحته. وقال الجيش إن شبكة الأنفاق تمتد لأكثر من كيلومترين، وتضم مركز قيادة رئيسياً تابعاً لوحدة “بدر”، إلى جانب غرف عمليات ومستودعات أسلحة وأماكن إقامة تسمح للمقاتلين بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة. كما تحدث الجيش الإسرائيلي عن العثور على عشرات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الصنع، وصواريخ مضادة للدروع ورشاشات ومئات الألغام والعبوات. وأضاف أن الشبكة شيدت على مدى نحو 20 عاماً بتمويل وتخطيط إيرانيين، وأنها استُخدمت لإدارة العمليات العسكرية في جنوب لبنان. هذه التفاصيل تبقى منسوبة إلى الرواية العسكرية الإسرائيلية، إذ لا توجد جهة مستقلة تمكنت من دخول الموقع بعد السيطرة عليه أو التحقق من محتوياته. إلا أن مصادر أمنية لبنانية كانت قد قالت لوكالة “رويترز” في تموز إن الحزب أنشأ في المنطقة مركز قيادة تحت الأرض ومستودعات للأسلحة، ما يقدم تأكيداً جزئياً لوجود البنية، من دون إثبات حجمها أو كل ما أعلنته إسرائيل عن محتوياتها. أما قوة الانفجار، فقد أكدت الوكالة الوطنية للإعلام أن دويه والهزات الناتجة منه شُعرت في النبطية والمناطق المحيطة. كما سجلت أجهزة الرصد نشاطاً بقوة 4.1 درجات، لكن ذلك لا يحسم الأرقام المتداولة عن كمية المتفجرات المستخدمة، ولا سيما رقم 1,100 طن الذي لم تدعمه حتى الآن معطيات تقنية مستقلة. وتقع مرتفعات علي الطاهر على مسافة نحو 15 كيلومتراً من الحدود، ما يمنح السيطرة عليها دلالة تتجاوز المواقع الحدودية التقليدية. فهي تشرف على بلدات وطرق أساسية في النبطية ومحيطها، وتتيح مراقبة المداخل والتحركات في مساحة واسعة. ولهذا تحولت خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أكثر نقاط المواجهة حساسية. صحيفة “فايننشال تايمز” اعتبرت أن تفجير الشبكة يشكل ضربة عسكرية ورمزية للحزب، لكنها أشارت أيضاً إلى أن العملية تعزز منطقة عازلة بعمق كيلومترات أنشأتها إسرائيل داخل لبنان. وهذا ما يطرح السؤال الفعلي: هل استُخدمت السيطرة على علي الطاهر لتحسين شروط إسرائيل في المفاوضات، أم أنها كرست قراراً استراتيجياً بإعادة بناء شريط أمني تحت تسمية جديدة؟ فالخطاب الإسرائيلي الحالي يعيد إنتاج منطق المنطقة العازلة من دون استخدام مصطلح “الشريط الحدودي”. المصطلحات تبدلت إلى “منطقة أمنية” و”سيطرة عملياتية” و”إزالة التهديد”، لكن النتيجة الميدانية واحدة: مواقع إسرائيلية داخل لبنان، وسيطرة على مرتفعات ومداخل، وربط الانسحاب بشروط غير محددة زمنياً. ويضع هذا الواقع الدولة اللبنانية أمام معضلة مباشرة. فالإطار الذي رعته واشنطن بعد وقف إطلاق النار قام على انسحاب إسرائيلي تدريجي، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وحصر السلاح. إلا أن التنفيذ تعثر بين رفض “حزب الله” التخلي الكامل عن سلاحه وتمسك إسرائيل بعدم الانسحاب قبل حصول ذلك. وهكذا تقترب الأزمة من حلقة مغلقة. إسرائيل تستخدم بقاء سلاح الحزب لتبرير احتلالها، فيما يستخدم الحزب استمرار الاحتلال لتبرير احتفاظه بالسلاح، وتجد الدولة نفسها بين شرطين متعارضين من دون أن تمتلك حتى الآن القدرة على فرض الانسحاب أو تنفيذ حصرية السلاح بصورة كاملة. لكن التطور الجديد أن إسرائيل انتقلت من ممارسة هذا الواقع ميدانياً إلى إعلانه رسمياً. وبذلك، لم يعد البحث محصوراً بمصير علي الطاهر أو الأنفاق التي فجرت تحته، بل بات يتعلق بالخريطة التي تريد إسرائيل فرضها في الجنوب، وحدود المنطقة التي تنوي الاحتفاظ بها، وعدد المواقع التي ستبقي قواتها فيها. علي الطاهر لم يعد مجرد مرتفع سقط أو شبكة أنفاق دمرت. لقد أصبح نقطة الانطلاق لعقيدة إسرائيلية جديدة تقول إن حماية الشمال تبدأ من داخل لبنان. وإذا لم يُكسر هذا المسار سياسياً وتفاوضياً، فقد