التطرّف، كلمة قد تبدو بسيطة في قاموس اللّغات، لكنَّها في الواقع أخطر من أيّ سلاح عندما تتحوّل من فكرة إلى عقيدة ومن عقيدة إلى فعل. يتحوّل الإنسان العادي إلى مُفجّر وقاتل للبشر باسم الدين، كي يجد نفسه أمام خطاب برّاق يمنحه تفسيراً لكلّ ما يعيشه ويعدُه بهوية، انتماء وغاية يظنّ أنَّه فقدها. شيئًا فشيئاً، تتبدّل نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله، فيبدأ الآخر بالظهور كعدو له، لِيُصبح العنف واجباً مقدّساً وجهاداً. لم يتوصّل المجتمع الدولي إلى تعريف موحّد للإرهاب، إلّا أنَّ معظم التعريفات تلتقي عند جوهر واحد: استخدام العنف، التهديد لزعزعة الخوف وفرض أهداف سياسية، إيديولوجية أو غيرها. ورغم أنَّ العنف السياسي ظاهرة قديمة، اكتسب مصطلح "الإرهاب" معناه السياسي الحديث خلال الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، لا سيّما خلال "عهد الإرهاب" بين عامَي 1793 و1794. مع مرور الزمن، تطوّر مفهوم الإرهاب وأساليبه وأصبح حاضراً في حروب ونزاعات وسياقات مختلفة، وصولاً إلى أشكال أكثر تعقيداً وانتشاراً في العصر الحديث. عمل المجتمع على وضع أُطر قانونية بهدف مواجهتِه، من بينها اتّفاقية طوكيو لِعام 1963 المتعلّقة بالأفعال والجرائم المرتكبة على متن الطائرات، اتّفاقية الحماية المادية للمواد النوويّة لِعام 1980، إلى جانب اتّفاقيات لاحقة استهدفت التفجيرات وتمويل العمليات الإرهابية. شهد التاريخ الحديث هجمات إرهابية تركت آثاراً عميقة في المجتمعات وكثير من الدول، أبرزها: "هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتّحدة، تفجيرات عمّان عام 2005 وباريس عام 2015. ولم تقتصر آثارها على الخسائر البشرية، بل امتدت تداعياتها إلى الأمن والاستقرار، لِيتجاوز صداها حدود الدول التي استهدفتها. في السنوات الأخيرة، لم ينتهِ التهديد الإرهابي بل تغيّرت أشكاله، فبحسب التقرير الثاني والعشرين للأمين العام للأمم المتّحدة بشأن تنظيم "داعش"، الصادر في شباط/فبراير 2026، لا يزال التنظيم يُشكّل تهديداً للأمن والسلام الدوليين، من خلال نشاط فروعه بمناطق مختلفة، واستمرار قدرته على التجنيد، والتمويل والاستفادة من التكنولوجيا. ففقدانه السيطرة على الأراضي لم يُنهِ خطره، بل دفعه نحو أشكال أكثر انتشاراً واعتماداً على الشبكات. يظهر التهديد أيضاً في ظاهرة المقاتلين الأجانب، إذ أشار تقرير لـ "Congressional Research Service" عام 2015 إلى سفر آلاف الأشخاص إلى سوريا والعراق للانضمام إلى جماعات مسلّحة، متأثّرين بالدعاية المتشدّدة والروابط الاجتماعية وما رافق ذلك من مخاوف بشأن عودة بعضهم واستمرار تأثّرهم بالتطرّف. تعتمد التنظيمات الإرهابية أيضاً على التمويل، إذ تُستخدم أحياناً قنوات غير رسمية لتحويل الأموال عبر الحدود، ما يُصعّب تتبّعها. لذلك، تشمل مكافحة الإرهاب تجفيف مصادر التمويل وتعقّب شبكاته. تناولت السينما والدراما العربية والأجنبية ظاهرة الإرهاب والتطرّف في أعمال عدّة، سعت إلى تقديم صور مختلفة لهذه الظاهرة ودوافعها ومن أهم الأعمال العربية :"الاختيار"، "هجمة مرتدة"، "القاهرة كابول"، "هوتيل مومباي" وغيرها. مع تطوّر البيئة الرقمية، لم يعد تناول الآفة مقتصراً على مظاهر الإرهاب التقليدية، بل امتدّ إلى دراسة دور وسائل التواصل الإجتماعي والمنصات الرقمية في استقطاب الأفراد وتشويش عقولهم، فضلاً عن استخدام تطبيقات المراسلة المشفّرة، مثل "WhatsApp وTelegram"، في التواصل بين المتطرّفين. من المنظور النفسي، لا يُمكن اختزال التحوّل نحو التطرّف أو الإرهاب في نمط شخصي واحد أو ربطه باضطراب نفسي محدّد. يوضح الدكتور مرام حكيم، الطبيب والمعالج النفسي العيادي، أنَّ "المسارات التي قد تدفع بعض الأفراد إلى الإنخراط في العنف تختلف من شخص إلى آخر وتتأثّر بعوامل عدّة، من بينها الشخصية، التجارب التي مرّ بها الفرد، البيئة التي نشأ فيها والظروف المحيطة به". ويُشير إلى أنَّ "بعض الأشخاص قد يمتلكون سمات شخصية تجعلهم أكثر ميلاً إلى استغلال الآخرين أو إيذائهم وقد تظهر لديهم منذ سن مبكرة سلوكيات مقلقة، مثل التنمّر، الكذب المتكرّر، السرقة، الإستخفاف بالقواعد والقوانين أو التعدّي على الآخرين". بحسب حكيم، "قد ترتبط هذه السلوكيات في بعض الحالات باضطراب الشخصية المعادية لِلمجتمع، سمات نرجسية شديدة أو نزعات سادية". لكنَّه يُؤكّد أنَّ "وجود مثل هذه السمات لا يعني إطلاقاً أنَّ الشخص سيتحوّل إلى إرهابي أو ينخرط في أعمال عنف، إذ إنَّ هذه الخصائص وحدها لا تكفي لتفسير التطرّف". كما يرى أنَّ "بعضها قد تجعله أكثر قابلية لِلإنجذاب إلى جماعة أو بيئة تستغل نزعات موجودة لديه أصلاً وتُوجّهها في مسار عنيف". في المقابل، يلفت إلى أنَّ "أشخاصاً آخرين قد لا تكون لديهم نزعات واضحة نحو العنف في الأساس، لكنَّهم قد يتغيّرون تدريجياً نتيجة ضغوط وتج