تغيّرت خريطة التهديد الجهادي العالمي خلال السنوات الأخيرة. وإلى جانب أفغانستان والعراق وسوريا، انتقل جزء متزايد من مركز الثقل العملياتي إلى القارة الأفريقية، وتحولت مناطق من الساحل والقرن الأفريقي وحوض بحيرة تشاد إلى ساحات رئيسية لنشاط جماعات مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش". ويستفيد هذا التمدد من هشاشة الدولة، وتراجع الشراكات الأمنية الغربية، واتساع النزاعات المحلية والفقر والنزوح، فضلاً عن حدود رخوة ومساحات شاسعة يصعب على الحكومات السيطرة عليها. تكشف أرقام "المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية" حجم التحول. فقد سجلت أفريقيا عام 2025 نحو 23,968 وفاة مرتبطة بجماعات إسلامية مسلحة، بزيادة 24% عن العام السابق، فيما بلغ عدد الأحداث العنيفة المرتبطة بهذه الجماعات 8,375، وهو أعلى مستوى يسجله المركز في القارة. واستحوذت ثلاثة مسارح، هي الساحل والصومال وحوض بحيرة تشاد، على 98% من الوفيات. في الساحل وحده، سُجلت 9,826 وفاة، أي 41% من الإجمالي الأفريقي. أما الصومال فسجل 8,813 وفاة مرتبطة بـ"حركة الشباب" و"داعش"، بزيادة 93%، فيما ارتفعت وفيات حوض بحيرة تشاد 28%. وبمنهجية أضيق لاحتساب العمليات الإرهابية، يعكس مؤشر الإرهاب العالمي 2026 التحول نفسه. فقد استحوذ الساحل في 2025 على أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً، بعدما كانت حصته أقل من 1% عام 2007. وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي الوفيات الإرهابية عالمياً 28% إلى 5,582، ما يزيد دلالة التركز الأفريقي لهذه الظاهرة. ويقدم "مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) مؤشراً أكثر تحديداً بالنسبة إلى "داعش". فقد بلغت حصة أفريقيا 86% من نشاط التنظيم المسجل عالمياً في الربع الأول من 2026، بعدما بلغت 49% في 2024 و79% في 2025. ويبقى مركز الثقل القديم حاضراً في الخريطة الجهادية. فأحدث تقرير للأمم المتحدة يقدّر أن "داعش" يحتفظ بما يصل إلى 3 آلاف مقاتل في سوريا، فيما تراجعت قوته في العراق إلى المئات القليلة، ويواصل فرع "داعش خراسان" نشاطه في أفغانستان. وتمنح أفريقيا الجماعات مساحة جغرافية أوسع وحدوداً أكثر رخاوة ومؤسسات أمنية مجزأة، إلى جانب نزاعات محلية على الأرض والمياه والرعي والموارد تستطيع اختراقها وتوظيفها. يربط مجلس العلاقات الخارجية الأميركي تمدد العنف في الساحل بمزيج من ضعف الحكم والفقر والضغط المناخي والانقلابات العسكرية والانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن. كذلك أسهم انهيار المنظومة الأمنية الليبية بعد 2011 في انتشار السلاح والمقاتلين في المنطقة. وبعد تمرد 2012 وسيطرة جماعات مسلحة على شمال مالي، ازداد التشابك بين الحركات الطوارقية والفصائل الجهادية. ومع تشكيل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) عام 2017، ازدادت قدرة "القاعدة" على تنسيق نشاطها عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ويقول كبير محللي غرب أفريقيا في ACLED هيني نصيبيا إن دول الساحل الأوسط شهدت 12 من بين أكثر 20 هجوماً إرهابياً دموية في العالم خلال 2025. كما رصدت المنظمة تصاعد خطف الأجانب في مالي والنيجر، وتوسع "الحرب الاقتصادية" ضد الحكومات، وتنامي استخدام الطائرات المسيّرة لدى الجماعات المسلحة. ويرتبط هذا التمدد أيضاً بالتحولات في البيئة الأمنية. فقد أدى خروج القوات الفرنسية وتراجع التعاون الأمني الغربي بعد الانقلابات إلى فراغات واسعة، فيما عجزت الشراكات الروسية عن توفير استقرار مستدام. وأظهرت هجمات ربيع 2026 حدود هذه الترتيبات بوضوح. ففي 25 نيسان/أبريل، شنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بالتنسيق مع "جبهة تحرير أزواد" هجمات متزامنة على باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وكيدال. وفي اليوم التالي، انتقلت كيدال إلى سيطرة المتمردين، قبل انسحاب القوات المالية و"أفريكا كوربس" منها ومن مواقع أخرى في الشمال. وجاء ذلك فيما كانت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" توسع استراتيجية الحرب الاقتصادية، عبر استهداف الوقود والطرق والممرات التجارية وفرض قيود على حركة الإمدادات باتجاه باماكو ومدن أخرى. كما تمددت الجماعات جنوباً في اتجاه بنين وتوغو وشمال نيجيريا. أنقاض مهجع دمرته بوكو حرام في مدرسة شيبوك بنيجيريا عام 2014، 31 آذار/مارس 2024. (أ ف ب) هل تملك الجماعات القدرة على عمليات كبرى؟ أثبتت الجماعات الجهادية الأفريقية قدرتها على شن هجمات منسقة على قواعد عسكرية، وقطع طرق الإمداد، ومحاصرة مراكز سكانية واقتصادية، واحتجاز رهائن أجانب واستخدام العبوات والطائرات المسيّرة. وتبقى شبكات عملياتها الخارجية أدنى من القدرات التي امتلكها داعش في ذروة تمدده في العراق وسوريا. ويربط المركز الأفريقي "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بنحو 78% من الوفيات المرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة في الساحل. كما استهدفت الجماعة شاحنات الوقود والممرات الت