خلال ربع القرن الذي تلا حوادث 11 أيلول/سبتمبر 2001، تبدلت الكثير من مفاهيم العمل الجهادي للجماعات الإسلامية. في الشرق الأوسط، انحسر النفوذ الفصائلي لهذه الجماعات، فبعدما سيطر تنظيم "داعش" على مساحات واسعة في العراق والشام، انحسر نفوذه فتغيّرت معه مقاربة نشاطه، وانتقل من محاولات تشييد دولة إلى سياسة "الذئاب المنفردة". هذا التبدّل كان نتيجة مواجهات قاسية خاضها التنظيم أدّى إلى انحسار نفوذه وقتل قادته وعناصره أو سجنهم ومحاصرة نسائه وأطفاله في مخيّمات ضخمة أو بقع جغرافية معزولة. قد تكون سياسة لجم التنظيم قد نجحت نسبياً، فتراجعت قوته مقارنة بما كانت عليه عام 2014، لكن لم يتم العمل على سياسات معالجة جذرية لاستيعاب أطفال التنظيم وتبديل ذهنياتهم. كان مخيم الهول في سوريا خلال عهد بشار الأسد أبرز مثال على ذلك. قبل معالجة ملفه من السلطات السورية الجديدة والعراق، كان المخيّم مقراً لأطفال "داعش" ونسائه، وكان معسكراً للأفكار المتطرفة يحضّر جيل أبناء قيادات التنظيم وعناصره لتكرار أو الاستمرار في ما فعله أباؤهم من قبلهم، إذ لم يتلق هؤلاء الأطفال التعليم والتثقيف المطلوبين لتبديل أفكارهم، وعانوا الحرمان والتمييز. شبان ينتظرون تعبئة المياه في مخيم الهول. الأستاذ الجامعي والخبير في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد الزعبي يعتبر أن سجن الأطفال في مخيمات تشبه المعتقلات والتعامل معهم من منطلق النبذ والتهميش، سيؤديان إلى نشوء جيل من الأطفال يعاني الحرمان والخذلان والقهر، وفي هذه البيئات ومن ضمن هذه العوامل المجتمعية تنتشر خطابات التطرف وتطور عقليات تمارس العنف. ما يثير القلق احتمال تقصّد تشييد هذه المخيّمات أو التجمعات للأطفال من ضمن بيئات مشبوهة تغذّي النزعات التطرفية والعنفية من أجل تحضير أجيال متطرفة في المستقبل، لاستثمارها سياسياً حينما تتقاطع مصالح بعض الأطراف مع التنظيمات الجهادية، وهي سياسة انتشرت خلال السنوات الأخيرة، فصار "داعش" عبارة عن مساحة استثمار لمصالح دولية متقاطعة. وفي حديثه الى "النهار"، لا يغفل الزعبي هذه الزاوية، وإذ يشير إلى التقصير الدولي في معالجة مسألة مخيّمات أطفال "داعش"، يبدي قلقاً من احتمال أن يكون التقصير مدفوعاً برغبات الاستثمار في جيل متطرف وتوظيفه سياسياً عند تقاطع المصالح الدولية، للإضرار ببعض المجتمعات تحت مسمّيات دينية ولغايات سياسية. في هذا السياق، تفيد تقارير عدّة أن نظام الأسد استعان ببعض الاسلاميين المتطرفين الذين كانوا مسجونين في معتقلاته، فأفرج عنهم لينظموا فصائل وتنظيمات إسلامية متشددة، من أجل شيطنة الثورة السورية واتهامها بالإرهاب وتبرير التدخل الإيراني والروسي. ووفق بعض المعلومات، تمت العملية حينها بتنسيق مع الولايات المتحدة التي عقدت صفقة مع روسيا لبقاء نظام الأسد. لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته لجهة معالجة مخلفات "داعش"، فاكتفى بالعمل العسكري لحسر نفوذه من دون إيجاد حلول جذرية لعائلات العناصر ومخيماتهم. الزعبي يشير إلى حلّين: الحل الأول: على الدول التي تنتمي إليها العناصر وعائلاتهم استعادة من هم في المخيّمات والعمل على تأهيلهم وتعليمهم وتأمين الرعاية الاجتماعية اللازمة لهم، بهدف إبعادهم عن الأفكار المتطرفة وإعادة دمجهم في مجتمعاتهم. الحل الثاني مرتبط بالأولاد الذين ينتمون إلى الدول التي يتواجدون فيها أصلاً، كالعراق أو سوريا، وفي هذه الحالة، وجب إطلاق مبادرات من الدولة ومعها المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بشؤون الأطفال لإعادة تأهيل هذه العائلات. العمل الاجتماعي الثقافي التربوية مطلوب لمحاولات حسر الأفكار المتشددة، ومن دونه سيبقى جيل أطفال "داعش" مادة استثمار سياسي حاضرة تستغلها الدول والأطراف عند تقاطع المصالح معها. المعالجات الفكرية جذرية، أما الحلول البسيطة كحصر الأطفال في مخيمات وفصلهم عن مجتمعاتهم ليس سوى عامل إضافي لتعزيز نزعات التشدد وممارسات العنف.