انتهى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وباتت الولايات المتحدة ملكة هذا العالم، بعدما تنازلت أوروبا عن حصتها في إرث هذا العرش. عشر سنوات مضت على هذه "المَلكيّة" قبل أن تستفيق المدينة التي لا تنام، نيويورك، على خبر اصطدام طائرتين ببرجي التجارة العالمي، ولحقه هجوم آخر على البنتاغون في واشنطن، وسقطت، أو أُسقطت، طائرة رابعة في ولاية بنسلفانيا قبل أن تصل إلى هدفها. هذه الهجمات هزّت وجدان الأميركيين، لكنها أدت إلى صدمة عميقة في النظام العالمي الأحادي. أحداث عامي 1991 و2001 أشار إليها وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو في كتابه "الزلزال: النظام العالمي بين الشعبوية والديموقراطية"، فوصف الأولى بأنها زلزال جيوسياسي، والثانية بأنها زلزال أمني. وجاء هذا التشخيص ووصف الحدثين بـ"الزلزال" للدلالة على حجم التغييرات التي أحدثتها هذه الوقائع، فقد باتت بمثابة مفاصل تاريخية حكمت كل ما لحقها. وقد عبّر عدد من الخبراء الأميركيين لـ"النهار" عن وجهات نظر مختلفة في تقييمهم لما بعد أحداث 2001، لكن القاسم المشترك بينهم أن الولايات المتحدة تغيّرت. وفي السياق، يمكن القول إن أحداث 11 أيلول/سبتمبر لم تكن مجرد هجوم إرهابي انتهى ضمن حدود زمانه ومكانه، بل كانت شرارة مرحلة تاريخية لا تزال مستمرة حتى اليوم، عنوانها محاربة الإرهاب. وهذا ما أدى عملياً إلى حروب مستمرة، وتشكيل نظام أمني داخل الولايات المتحدة عُرف بـ"عقيدة الضربات الاستباقية"، تقدّم على كل النظم التي حكمت علاقة واشنطن بالعالم قبل هذا العام. ومن هنا كانت حربا أفغانستان والعراق. نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الأسبق السفير غوردن غراي، يقول إن الحديث عن الهجمات الإرهابية في 11 أيلول يأخذه إلى التعليق على حربي أفغانستان والعراق. ويضيف أنه بعد هذه الهجمات، "لم يكن أمام الرئيس (الأميركي) خيار حقيقي فيما يتعلق بأفغانستان. أما الحرب على العراق، فقد تبيّن أنها قامت على أسس خاطئة، مثل الادعاء بوجود أسلحة دمار شامل". ويعرب غراي في حديثه إلى "النهار" عن اعتقاده أن الرد على هذه الهجمات "شكّل بداية نهاية الهيمنة الأميركية"، لأنه على الرغم من أن العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق كانت ناجحة في البداية، فإنها "فشلت في نهاية المطاف في القضاء على حركة طالبان في أفغانستان وفي بناء مجتمع منفتح في كلا البلدين. وقد أظهر ذلك أن قدرات الولايات المتحدة محدودة". في المقابل، يرى العضو السابق في المجلس الاستشاري للرئيس الأميركي دونالد ترامب، غابرييل صوما، أنه بعد 25 سنة على هجمات 11 أيلول "تغيّرت السياسة الأميركية بصورة كبيرة. الإرهاب لم يعد العنوان الرئيسي للاستراتيجية الأميركية، بل أصبح واحداً من تهديدات عدة. بمعنى أن المنافسة بين الدول الكبرى وحماية الداخل الأميركي عادتا إلى مركز السياسة". ويشدد في معرض حديثه لـ"النهار" على أن إدارة ترامب "تؤكد استخدام القوة بصورة مباشرة ضد من تعتبرهم تهديداً للأمن القومي الأميركي. بمعنى آخر، أصبحت المعادلة تشمل الإرهاب والمخدرات والحدود والصين وإيران والتهديدات السيبرانية". وخلافاً للرأي الديبلوماسي والسياسي، فإن تقييم الجانب العسكري لسنوات ما بعد هجمات أيلول هو أن "الجيش الأميركي أصبح أكثر قدرة بكثير على التكيف، وأكثر ترابطاً واعتماداً على التكنولوجيا". ويقول المتحدث السابق باسم التحالف الدولي لهزيمة تنظيم "داعش"،العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي مايلز ب. كاغينز الثالث: "شاهدت تطور العقيدة العسكرية بشكل مباشر وفي الوقت الفعلي. لقد تعلمنا كيفية محاربة الشبكات الإرهابية وبناء قدرات الشركاء والعمل في بيئات معلوماتية معقدة واتخاذ القرارات بسرعة أكبر وعلى مستويات قيادية أدنى". ويضيف لـ"النهار" أن كل صراع يجبر القوات الأميركية على التكيف، وأن الدرس المستفاد من السنوات الـ25 الماضية هو أن "العقيدة العسكرية لا يمكن أن تبقى ثابتة"، وأن "النجاح العسكري والنتائج السياسية أمران مختلفان". ومن الأمور التي بقيت ثابتة منذ 11 أيلول 2001 "صلابة الجنود الأميركيين وروحهم القتالية، إلى جانب دعم عائلاتهم لهم". شخص يراقب غروب الشمس خلف جسر بروكلين ومركز التجارة العالمي ومانهاتن السفلى في نيويورك، 8 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب) على المستوى الداخلي، كان من تبعات هجمات 11 أيلول إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، إذ تم إنشاء وزارة الأمن الداخلي وتأسيس إدارة أمن النقل (TSA)، التي فرضت إجراءات تفتيش صارمة أصبحت معياراً عالمياً. بالتوازي، صدر "قانون الوطنية" (Patriot Act)، الذي منح أجهزة الاستخبارات صلاحيات واسعة النطاق لمراقبة الاتصالات والإنترنت وتتبع البيانات الشخصية، وهو ما أثار جدلاً حقوقياً واسعاً بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الأمن والحفاظ