بعد ربع قرن على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، تكشف خريطة الإرهاب العالمية مفارقة مزدوجة؛ فالخطر أصبح أقلّ فتكاً في المجمل، لكنه أكثر تشتتاً وصعوبة في الرصد. انخفض عدد القتلى عالمياً بنسبة 28 في المئة بين 2024 و2025، لكن أكثر من نصف الوفيات تركّز في منطقة الساحل، بعيداً عن البؤر التي انطلقت منها "الحرب على الإرهاب". والتحول يتجاوز الجغرافيا إلى شكل التهديد نفسه. تراجع نموذج "القاعدة" القائم على التخطيط المركزي لهجمات عابرة للقارات، وكذلك نموذج "الخلافة" الذي أقامه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فوق أراضٍ واسعة. وفي أوروبا، باتت الهجمات والمخططات ترتبط أكثر بأفراد أو خلايا صغيرة، تستخدم وسائل بسيطة، ما يجعل اكتشافها مبكراً أشدّ تعقيداً. مع ذلك، بقي "داعش" وفروعه التنظيم الأكثر فتكاً عالمياً في 2025، ونشط في 15 دولة عبر ست مناطق، في مؤشر إلى أن التنظيمات الجهادية الكبرى فقدت جزءاً من مركزيتها أكثر ممّا فقدت قدرتها على البقاء. وتبدو الصورة اليوم أقرب إلى فروع محلية وخلايا صغيرة وشبكات رقمية مترابطة بدرجات متفاوتة، فيما يبقى أثر الذكاء الاصطناعي العامل هو الأقلّ وضوحاً رغم حضوره المتزايد. سجل العالم 5,582 وفاة مرتبطة بالإرهاب خلال 2025، وهي أدنى حصيلة منذ 2007، وفقاً لـمؤشر الإرهاب العالمي 2026. وانخفضت الوفيات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 95 في المئة خلال العقد الماضي، فيما سجّل العراق وأفغانستان منذ 2007 تراجعاً بنسبة 99 في المئة و95 في المئة على التوالي. لكن انحسار الإرهاب في بؤره السابقة ترافق مع انتقال مركز ثقله. فمنذ 2009، ارتفع عدد الهجمات والوفيات في الساحل الأفريقي نحو 10 أضعاف، لتصبح المنطقة البؤرة الرئيسية للإرهاب عالمياً، وسط نزاعات ممتدة وضعف حضور الدولة وهشاشة المناطق الحدودية. يرى توماس هيغهامر، الباحث والمؤرخ المتخصص في الحركات الجهادية والزميل الباحث الأول في كلية "أول سولز" بجامعة أكسفورد، أن كثيراً من المعتقدات الأساسية للحركة بقي ثابتاً منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً الهدف المتعلّق بإقامة نظام حكم إسلامي متشدّد، فيما تغيّرت الاستراتيجيات والتكتيكات. ويقول هيغهامر لـ"النهار" إن "القاعدة" اعتمدت استراتيجية "الحرب ضد الغرب"، فيما تبنى تنظيم الدولة استراتيجية "إعلان الخلافة فوراً"، لكن التجربتين اصطدمتا بالواقعين العسكري والسياسي، ما دفع الجماعات نحو العودة إلى المشروعات المحلية والإقليمية. ويفرق هيغهامر بين معنيين للجهادية العالمية؛ فإذا كان المقصود القدرة على تنفيذ عمليات عابرة للحدود بحجم هجمات 11 أيلول أو تفجيرات لندن في 7 تموز/يوليو 2005، فإن هذا التيار أصبح أضعف بفعل أنظمة المراقبة والتعاون الأمني. أما إذا كان المقصود مجتمعاً دولياً من المسلّحين يتبنى رؤية عابرة للحدود، فإن حجم الدعاية الرقمية يبقى مؤشراً مهماً، خصوصاً مع ازدهار جماعات تنتمي إلى العائلة الإيديولوجية نفسها في أجزاء من أفريقيا وآسيا. ويصف هيغهامر الثقافة الجهادية بأنها "شريان حياة غير مادي" للحركة، مضيفاً: "يمكنك قتل القادة وتفكيك الجماعات، لكنك لا تستطيع محو الأناشيد والقصائد من الذاكرة الإنسانية الجمعية"، محذّراً من مساواة انتشار هذه الثقافة بالقدرة على ممارسة العنف، إذ تحتاج القابلية للتجنيد إلى جماعة تستطيع استثمارها وتحويلها إلى نشاط عملياتي. سجلت عشر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي 45 هجوماً ومخططاً إرهابياً خلال 2025، بينها 22 هجوماً نُفذت، و20 مخططاً أُحبط، وثلاث هجمات أخفقت. وصنّف "يوروبول" 24 منها ضمن الإرهاب الجهادي، بينها تسع هجمات نُفّذت و15 أُحبطت، فيما ألقت السلطات القبض على 347 شخصاً في قضايا مرتبطة بهذا التيار، وفق تقرير يوروبول للاتجاهات الإرهابية 2026. وتكشف طبيعة الهجمات حجم التحول؛ فثمانٍ من الهجمات الجهادية التسع المنفّذة استخدمت أسلحة بيضاء، فيما استخدمت التاسعة مركبة، في نموذج يقوم على أدوات متاحة وهجمات منخفضة التعقيد. كما برز عامل العمر بقوة، إذ كان 130 من الموقوفين الذين عُرفت أعمارهم في الثامنة عشرة أو دونها، بينهم 108 في قضايا مرتبطة بالإرهاب الجهادي. ويرتبط هذا التحول بالبيئة الرقمية التي أتاحت نشر الدعاية والوصول إلى جمهور واسع بسرعة، إلى جانب التواصل والتنسيق بقدر أكبر من الحماية، من دون الحاجة إلى بنية تنظيمية كبيرة. ويحذر جو ويتاكر، المحاضر الأول في التهديدات السيبرانية في جامعة سوانزي، من افتراض أن التعرّض للمحتوى المتطرف يقود تلقائياً إلى التخطيط للعنف. ويقول لـ"النهار" إن النشاط عبر الإنترنت كان شائعاً بين جميع الأفراد تقريباً في عينته من قضايا تنظيم الدولة في الولايات المتحدة، ما يجعل قياس أثره المستقلّ بالغ الصعوبة. مع ذلك، يتجاوز الدور الرقمي الدعاية. فبحسب ويتاكر، يشمل التخطيط للهجمات الاستط