كشفت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 هشاشة أميركا، أما الردّ عليها فغيّر وجه الشرق الأوسط: حروب واحتلالات مزّقت دولاً، وشرّدت ملايين البشر، وأجّجت الصراع الطائفي، وكرّست منظوراً أمنياً كثيراً ما نُظر من خلاله إلى المجتمعات العربية والمسلمة. وبعد 25 عاماً، لا تزال المنطقة تعيش في ظلّ هذا الإرث. لا بدّ من أن يبدأ إحياء الذكرى باستذكار نحو ثلاثة آلاف شخص قُتلوا في الولايات المتحدة. لكن بالنسبة إلى جمهور الشرق الأوسط، لا بدّ أيضاً من الالتفات إلى الدائرة الأوسع كثيراً من البشر الذين بدّلت الحروب اللاحقة حياتهم، من كابول وبغداد إلى دمشق وصنعاء، وطرح السؤال: كيف تحوّلت صدمة أميركية إلى حساب طويل تسدّده المنطقة؟ لم تستهدف هجمات "11 سبتمبر" القوة الأميركية وحدها، بل صورة أميركا عن نفسها أيضاً. وقد غيّر ردّ واشنطن على ذلك الجرح الولايات المتحدة، لكن مجتمعات لم تخطّط للهجمات ولم تنفّذها هي التي تحمّلت أشدّ عواقبه وطأة. وقعت الهجمات في لحظة بلغت فيها القوة الأميركية مستوى استثنائياً. كان الاتحاد السوفياتي قد انهار، وباتت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، فيما اعتقد كثيرون أن الديموقراطية الليبرالية والأسواق المفتوحة والعولمة بقيادة أميركية تمثّل الوجهة النهائية للتاريخ. ثم حوّل 19 خاطفاً طائرات مدنية إلى أسلحة استهدفت المراكز المالية والعسكرية لأقوى دولة في العالم. كانت الإهانة على مرأى العالم، تبثّها شاشات التلفزيون. تجمع السردية الوطنية الأميركية بين ادّعاء الاستثنائية الأخلاقية وقلق متجدّد من الأفول: فهي تتصوّر أميركا دولة لا غنى عنها، لكنها تخشى أن تفقد هذه المكانة. هذا ما أصفه بالنرجسية السياسية، لا بوصفه تشخيصاً سريرياً، بل تقديراً جمعياً متقلّباً للذات، يحتاج إلى ما يؤكّده من الخارج. تُظهر هذه النرجسية القوة فيما تخشى فقدان المكانة. وقد ضربت هجمات "11 سبتمبر" أكثر نقاطها حساسية: الاعتقاد بأن أميركا عصيّة على الاستهداف. من الدفاع الضروري إلى حرب إقليمية بلا نهاية بعد الهجمات، انضمّت حكومات ومواطنون في أنحاء الشرق الأوسط إلى الرفض الدولي لعنف "القاعدة". وكانت حملة محدّدة الأهداف ضدّ التنظيم وحركة "طالبان" التي آوته أمراً ضرورياً. لكن إدارة بوش أعلنت "حرباً على الإرهاب" على مستوى العالم، فحوّلت تهديداً محدّداً إلى عقيدة مفتوحة الأمد، جعلت من الشرق الأوسط ساحة عملها الرئيسية. اتّسعت المهمة من تدمير شبكة إرهابية إلى إعادة تشكيل منطقة بأكملها، وصارت الديموقراطية أداة أمنية: إطاحة الأنظمة، وبناء المؤسسات، وتجفيف المستنقع المفترض للتطرّف. واختُزلت بذلك مجتمعات معقّدة إلى موضوعات لهندسة تُفرض من الخارج. كان غزو العراق في 2003 المثال الأشدّ ضرراً. لم يكن العراق قد نفّذ هجمات "11 سبتمبر"، لكن الخوف ضخّم المزاعم المتعلّقة بأسلحة الدمار الشامل، وجعل تغيير النظام استعراضاً لاستعادة أميركا زمام السيطرة. أما بالنسبة إلى العراقيين، فكانت النتيجة انهيار الدولة والاحتلال وسنوات من انعدام الأمن. انتصرت القوات الأميركية سريعاً، لكنها عجزت عن إرساء نظام سياسي ذي شرعية. وعمّق الفراغ الانقسامات الطائفية، ومكّن الميليشيات، وعزّز نفوذ إيران، وأتاح صعود "القاعدة في العراق"، ثم ما يُسمّى تنظيم "الدولة الإسلامية". وتجاوزت العواقب الحدود، وأثقلت كاهل جيل بالعنف والنزوح. إحدى أكثر الصور تداولاً لهجمات 11 سبتمبر. (رويترز) علينا أن نميّز بين الهجمات والردّ عليها. يقدّر مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون أن العنف المباشر في حروب "ما بعد 11 سبتمبر" أودى بحياة أكثر من 940 ألف شخص، بينهم ما يزيد على 432 ألف مدني. أما الوفيات غير المباشرة فبلغت الملايين، واضطرّ ما لا يقلّ عن 38 مليون شخص إلى النزوح. وراء تلك الأرقام منازل هُجرت، ومسارات تعليم انقطعت، وسبل عيش دُمّرت، وأطفال كبروا وسط الحواجز والعقوبات والميليشيات والطائرات المسيّرة، أو في المنافي. كذلك، حوّلت مكافحة الإرهاب الموارد بعيداً من التنمية، وزوّدت حكومات المنطقة بلغة تبرّر بها القمع. ألحقت غوانتانامو وأبو غريب والسجون السرية وعمليات التسليم الاستثنائي للمعتقلين والتعذيب بالإيهام بالغرق وضربات الطائرات المسيّرة ضرراً بالمكانة الأخلاقية الأميركية. وعمّقت الفجوة بين القيم الكونية والممارسة الانتقائية انعدام الثقة بواشنطن، وبنظام قائم على القواعد كثيراً ما لمس الناس افتقاره إلى المساواة. كذلك، حوّلت "الحرب على الإرهاب" الهوية الإسلامية إلى مسألة أمنية. واجهت مجتمعات الشكّ والمراقبة والوصم، فيما اختُزلت صراعات المنطقة المتنوّعة في مفردات التطرّف وحدها. وتصبح مكافحة الإرهاب عكسية النتائج حين تخلط بين التنظيمات العنيفة وبين الأديان أو الشعوب أو الشكاوى المحقّة. من الحرب على الإرهاب إلى "أميركا أول