عودة بربع قرن إلى الوراء؛ أو بربع قرن وشهر واحد، لمزيد من الدقة. كاد شهر آب/أغسطس 2001 يغيّر كل التاريخ الذي سيلي. تقدّم مسؤول حكومي أميركي من خبيرة شؤون مكافحة الإرهاب في جامعة هارفارد لويز ريتشاردسون، وهو يحمل سؤالاً مقلقاً. وكان مفاده: "لماذا لم تستخدم أي مجموعة إرهابية طائرة بصفتها قنبلة محلّقة؟" ردّت ريتشاردسون: "التكتيك قيد الدراسة ولديّ شكوك بأن مجموعات إرهابية ما ستستخدمها عاجلاً لا آجلاً". يُبيّن الجواب والسؤال أن فكرة استخدام طائرة لشنّ هجوم إرهابي لم تكن غير متصورة تماماً. في الواقع، كانت فكرة قديمة بدأت بذورها تتبلور في السبعينات، وتطورت بمرور الوقت. سنة 1994 على سبيل المثال، تم إحباط محاولة خطف رحلة فرنسية وجعلها تصطدم ببرج إيفل أو ببرج مونبارناس في باريس. جزء من هجمات 11 سبتمبر 2001 من زاوية أخرى. (أ ب) لكنّ "مخطط بوجينكا" شكّل الإنذار الأحدث والأكبر حينها. سنة 1996، خطّط رمزي يوسف وخاله خالد شيخ محمد لاغتيال البابا الأسبق مار يوحنا بولس الثاني خلال زيارته الفلبين ثم تفجير 11 رحلة من آسيا إلى الولايات المتحدة لقتل نحو 4 آلاف شخص. وكان استخدام طائرة لصدمها بمقر وكالة الاستخبارات المركزية في فرجينيا جزءاً من العملية المتعددة المراحل. بينما ساهم الحظ في إفشال المخطط، أعيد استخدام بعض عناصر تلك العملية لإتمام هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. واعتُقل يوسف حينها في الفلبين، بينما أفلت خالد شيخ محمد من الاعتقال فتمكن من الانصراف إلى التخطيط للهجمات المقبلة. ترسم هذه الأمثلة المختصرة علامة استفهام كبيرة: إذا كانت كل المؤشرات السابقة لهجمات 11 سبتمبر، بوضوحها وقِدمها وتكرارها، غير كافية لدرء مثل هذا الحدث، فما الذي يمكن قوله عن عصر تراجعت فيه الهجمات الإرهابية إلى حد بعيد، وبالتالي، تراجعت معها الخيوط المحتملة التي تقود إلى تفكيرهم؟ موقع سقوط برجي التجارة العالميين بعد استهدافهما بطائرتين قادهما عنصران من تنظيم القاعدة. (وزارة العدل الأميركية)) يؤكد تقرير "مؤشر الإرهاب العالمي" الصادر في آذار/مارس 2026 الاتجاه الكبير في انخفاض عمليات الإرهاب كما في عدد القتلى الناجم عنها عموماً. ينشئ هذا الوضع توتراً كامناً بسبب عدم معرفة ما إذا كان ذلك ناجماً عن النجاح العملاني في إحباط الإرهابيين أو عن شيء يُحضّرونه في الخفاء. قد يكون الجواب مزيجاً من الاحتمالين غير المتنافرين. أولاً، لا يمكن نسيان كيف تم تفكيك "القاعدة" و"داعش" ليصبحا ظلّين لما كانا عليه في ذروة نفوذهما. للتذكير، لا يجرؤ أي من التنظيمين على إعلان قائده الحالي. ربما يخشى القائد الحالي المفترض لـ "القاعدة" والمقيم في إيران سيف العدل على حياته، ولهذا لم يعلن نفسه رسمياً قائداً للتنظيم. وربما، لأنه لم يبقَ لديه شيئاً ليقوده، كما كتبت – بشيء من المبالغة – خبيرة شؤون مكافحة الإرهاب أودري كرونين. العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر خالد شيخ محمد. (أ ف ب) على الضفة الأخرى من المعادلة، يسعى الإرهابيون إلى تغيير التكتيكات المتّبعة بمجرد أن تصبح مقروءة. بالتالي، يعزّز النجاح في تحصين الحماية احتمالات بحث الإرهابيين عن نقاط "عمياء" في الأنظمة الأمنية. وقد يفضلون العودة إلى أساليب قديمة، أو حتى تواريخ قديمة، إذا رأوا في ذلك فرصة سانحة. هوجمت القنصلية الأميركية في ليبيا بعد 11 عاماً على 11 سبتمبر. أدى ذلك إلى مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز. ويمكن التفكير أيضاً في جزئية الاستجابة الأمنية أحياناً كنقطة ضعف أخرى. أيضاً في 11 سبتمبر، لكن من سنة 1994، وحين قاد أحد اليائسين طائرة "سيسنا" صغيرة وصدمها بالبيت الأبيض، جاء الرد بتعزيز حماية المقر الرئاسي، لا الرحلات الجوية بشكل عام. وقبل الهجمات، لم تكن أبواب القمرة محصّنة ضد الاقتحام. في عصر الإنترنت والمسيّرات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، يمكن التخوف مما قد يلجأ إليه الإرهابيون في المستقبل، لأن التكنولوجيا قد لا تساعدهم على شن وابتكار هجمات أكثر فاعلية ومراوغة وحسب، بل أيضاً هجمات أقل كلفة. وكان اتجاه الكلفة المتناقصة للإرهاب هو ما قد توقعته ريتشاردسون، الباحثة من جامعة هارفارد، منذ مطلع الألفية. وقبل 8 أعوام، أي قبل فورة الذكاء الاصطناعي والمسيّرات، تساءل المحلل دافيد غارتنستين-روس عن احتمال استخدام الإرهابيين لأسراب المسيّرات العاملة على الذكاء الاصطناعي لجعلها أكثر فتكاً. انفجار الطائرة بعد اصطدامها بأحد برجي التجارة العالمية (أ ب) يوحي هذا التساؤل بعدم وجود نقص في الاستعداد والمخيّلة لما يمكن أن يحدث تالياً. لكن هذه الخلاصة ليست صلبة. فالتساؤلات المشابهة كانت حاضرة قبل 11 سبتمبر ولم تمنع الهجوم القاتل. كذلك، برز نقص في الاستعداد الأميركي لفاعلية المسيّرات خلال الحرب الأخيرة على إيران. يعني ذلك أن ثمة ثغرات في الاستشراف المستقبل