يمر لبنان اليوم بواحدة من أكثر مراحله التاريخية تعقيدًا، حيث تتقاطع الحرب الإسرائيلية، والأزمة البنيوية للدولة اللبنانية، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، مع أزمة نموذج المقاومة الذي مثّله حزب الله طوال عقود.لكن قراءة هذه الأزمة باعتبارها مجرد هزيمة عسكرية لحزب الله، أو باعتبارها دليلًا نهائيًا على فشل المقاومة المسلحة، هي قراءة سطحية لا تساعدنا على فهم ما يجري.المسألة الأعمق ليست: هل انتصرت إسرائيل عسكريًا أم تراجعت المقاومة؟بل: كيف تحولت مقاومة نشأت في مواجهة الاحتلال إلى قوة سياسية واجتماعية مرتبطة ببنية طائفية، وكيف أصبحت هذه البنية نفسها أحد القيود التي تحد من قدرتها على إنتاج مقاومة وطنية شعبية شاملة؟وهنا تحديدًا يصبح السؤال سؤالًا سياسياً علمياً: ليس عن أخلاق ودعاية التنظيمات، وإنما عن الشروط الاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها، وعن المصالح والعلاقات الطبقية التي أعادت إنتاجها.من انهيار المقاومة الوطنية إلى صعود المقاومة الطائفيةلا يمكن فهم صعود حزب الله بمعزل عن الانهيار التاريخي لبنية الحركة الوطنية اللبنانية.فقد تعرضت القوى اليسارية والوطنية اللبنانية، وفي مقدمتها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية( جمول) لضربات هائلة بفعل الحرب الأهلية، والاجتياح الإسرائيلي، والتدخلات الإقليمية، وانهيار التوازنات التي كانت تسمح بوجود مشروع وطني عابر للطوائف.وفي هذا السياق صعد حزب الله بوصفه القوة الأكثر قدرة على تنظيم المقاومة المسلحة في الجنوب، مستندًا إلى دعم إيراني، وإلى شبكة اجتماعية وتنظيمية واسعة، وإلى خطاب ديني ومذهبي وفر له قاعدة جماهيرية متماسكة.وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة من السرديات التبسيطية التي تختزل التاريخ في مؤامرة واحدة، حيث لم يكن صعود حزب الله مجرد قرار إيراني/ سوري أسدي لإقصاء اليسار، كما لم يكن مجرد نتيجة تلقائية لزخم المقاومة، بل كان تعبيرًا عن تحول أعمق في موازين القوى اللبنانية والإقليمية، وعن تراجع القوى الوطنية واليسارية، وعن عجز الدولة اللبنانية، وعن قدرة تنظيم جديد على ملء الفراغ الذي تركه انهيار المقاومة الوطنية السابقة.لقد انتقلت المقاومة، تدريجيًا، من مشروع وطني متعدد القوى إلى مشروع تقوده قوة ذات هوية مذهبية واضحة، وهنا بدأ التناقض التاريخي.المقاومة والطائفية: التناقض لا الإدانة الأخلاقيةليس من المفيد أن نقول إن حزب الله «اختار الطائفية» ثم نتوقف عند هذه الجملة، فالطائفية في لبنان ليست مجرد عقيدة أو انحياز ثقافي، إنها جزء من بنية الدولة والمجتمع وتوزيع السلطة والثروة والموارد، وهي مرتبطة تاريخيًا بمصالح قوى اجتماعية واقتصادية مختلفة.ومن ثم فإن التنظيم الذي يعمل داخل هذا المجتمع لا يعيش خارجه، لقد استطاع حزب الله أن يبني قاعدة اجتماعية واسعة، وأن يقدم خدمات وتنظيمًا وحماية وشبكة تضامن، وأن يصبح قوة عسكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها. لكنه في الوقت نفسه أصبح جزءًا من التوازنات الطائفية التي يقوم عليها النظام اللبناني.وهنا يظهر التناقض:المقاومة تحتاج إلى قاعدة شعبية واسعة تتجاوز الطوائف، بينما بنيتها السياسية والاجتماعية أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقاعدة مذهبية محددة، وهذا لا يلغي إنجاز المقاومة في مواجهة الاحتلال، لكنه يضع حدودًا تاريخية لنموذجها.فالمشكلة ليست أن المقاومة «مذهبية» بمعنى أخلاقي مجرد، بل أن تحويل المقاومة إلى قوة مرتبطة بطائفة بعينها يجعلها عاجزة عن أن تصبح مشروعًا وطنيًا جامعًا، ويجعل قطاعات من المجتمع تنظر إليها باعتبارها ممثلًا لطائفة قبل أن تراها باعتبارها أداة للتحرر الوطني.تشرين 2019: حين ظهرت حدود الوحدة الوطنيةجاءت انتفاضة تشرين 2019 لتكشف جانبًا آخر من التناقض، كانت الانتفاضة لحظة استثنائية في التاريخ اللبناني الحديث، لأنها كسرت، ولو مؤقتًا، كثيرًا من الحواجز الطائفية، ودفعت قطاعات واسعة من اللبنانيين إلى مواجهة منظومة سياسية واقتصادية مشتركة: المصارف، والدين، والفساد، وانهيار الخدمات، والمحاصصة السياسية.لكن الانتفاضة، رغم اتساعها، لم تستطع أن تتحول إلى قوة طبقية منظمة تمتلك مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا قادرًا على إسقاط البنية التي انتفضت ضدها، وفي هذه اللحظة كان موقف حزب الله من الحركة الاحتجاجية موضع نقد مشروع.فالحزب، شأنه شأن قوى أخرى داخل النظام، تعامل مع استمرار النظام باعتباره ضرورة للاستقرار، ولم ينحز إلى “الإمكان التاريخي” الذي حملته الانتفاضة في تجاوز الانقسام الطائفي.وهنا لا ينبغي اختزال المسألة في اتهام الحزب بأنه «حارس للنظام الطائفي»، الأدق أن نقول إن الحزب أصبح جزءًا من آليات إعادة إنتاج التوازن السياسي الذي يقوم عليه النظام، رغم تناقضه معه في جوانب أخرى، وهذا هو جوهر المأزق الوجودي للحزب، فالقوة التي استطاعت أن تواجه الاحتلال لم تستطع، في الوقت نفسه، أن تتحول إلى قوة قادرة ع