في وقت يبدو فيه العالم بأسره في حالة من الارتباك، ولا يزال يحاول استيعاب ما ستعنيه لنا هذه الثورة التكنولوجية القائمة على الذكاء الاصطناعي، قد يبدو الحديث عمّا سيكون عليه العالم بعد 25 عاماً ضرباً من التسرّع. لكن يمكننا فعل ذلك، ولدينا أسباب وجيهة تدعونا إلى التفاؤل. الإنسان فضولي بطبيعته، وهذا ما يفسّر حجم التقدّم الهائل الذي حققناه منذ أن تطوّرنا من أكثر حالاتنا بدائية، رغم الانتكاسات أو لحظات الحماقة الجماعية التي شهدناها من حين إلى آخر. وهذا الفضول يستند بدوره إلى حاجة إنسانية أساسية: التواصل. لهذا السبب، لن يتغيّر "ما" نحتاج إليه، لا الآن ولا في الأجيال المقبلة. سنظل دائماً بحاجة إلى التواصل، وإلى إيجاد وسائل لمعرفة ما يحدث من حولنا. ما سيتغيّر هو "كيف" نفعل ذلك، فيما نتكيّف مع مسارات جديدة للتواصل وتبادل المعرفة. وثمة جانب إيجابي آخر، هو أن التكنولوجيا قرّبتنا أكثر من الطريقة التي نعالج بها المعلومات ونتفاعل اجتماعياً بصورة طبيعية. فنحن، كبشر، نعتمد أساساً على البصر والسمع واللمس، وهذا تحديداً ما جعل الهواتف الذكية أداة استثنائية، إذ جمعت في جهاز واحد عدداً من أكثر حواسنا وغرائزنا الإنسانية أساسية. ومن المتوقع أن تجعلنا التكنولوجيا أكثر انسجاماً مع هذه السمات البشرية الجوهرية. لكن المفتاح يبقى في أن تبدو التكنولوجيا طبيعية وسلسة. يكفي أن ننظر إلى الصعوبة التي واجهتها تقنيات الأبعاد الثلاثية والتقنيات الغامرة في الانتشار داخل المنازل، ببساطة لأن من غير الطبيعي أن ينظر الناس إلى بعضهم بعضاً في غرفة الجلوس وهم يرتدون نظارات معتمة أو خوذاً غريبة. وستكون هناك أيضاً حدود للحياة داخل "الفقاعة". صحيح أن منصات التواصل الاجتماعي نجحت في إبقاء معظمنا داخل فقاعاتنا الخاصة، مستفيدة من أكثر غرائزنا نزوعاً إلى الانتماء القبلي، مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج مدمّرة. لكن ثمة مؤشرات إلى أن هذه الفقاعة بدأت تتصدّع، لأن الإنسان، في نهاية المطاف، لا يتعطّش إلى أي معلومات فحسب، بل يتعطّش، قبل كل شيء، إلى معلومات موثوقة. والذكاء الاصطناعي لن يحلّ محل كل ما نراه ونسمعه ونلمسه. ومهما بلغت قدرة التكنولوجيا على محاكاة ما ننتجه نحن العاملين في الإعلام، سواء كان صحافة أو محتوى واقعياً أو أعمالاً خيالية، فإن المحتوى الأصيل سيظل يعتمد علينا. كما أن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي ستكون قيمته محدودة، بما في ذلك قيمته المالية، إذا اقتصر ما يُقدَّم على محتوى "صنعه الكمبيوتر". لكن السؤال الأساسي يبقى: كيف سنموّل المحتوى الأصيل بعد 25 عاماً من الآن؟ لكن حيث توجد الإرادة، توجد دائماً الطريق