بين عامي 2001 و2026، انتقل الإعلام العربي من الصحيفة والنشرة المحدّدة بموعد إلى خبر لا يتوقف على شاشة الهاتف. اتسعت القدرة على الوصول والنشر، لكن غرف الأخبار خسرت جانباً من سيطرتها على الجمهور والإعلان. تختصر مسيرة "جائزة الإعلام العربي" جانباً من هذا التحوّل: من تكريم الصحافة المكتوبة إلى مواكبة الإعلام المرئيّ والرقمي. في عام 2001، كنتُ أعمل محرراً للأخبار الأجنبية في مجلة أسبوعية لبنانية تتابع ما تنشره الصحافة العربية والعالمية. كانت الصحف تصل ورقية، فنقرأها ونقارن رواياتها ونختار منها ما يستحق التوقف عنده. وبعد أيام من التحرير والمراجعة، يخرج العدد إلى قارئ ينتظره أسبوعاً كاملاً. كان الوقت جزءاً من صناعة الصحافة. وكانت غرفة الأخبار، بما تملكه من مراسلين ومصادر ومطابع ووسائل توزيع، تقرر إلى حدّ بعيد ما يعرفه الناس ومتى يعرفونه. وفي الخلفية، كانت "جائزة الصحافة العربية"، التي أُنشِئت في عام 1999 ودخلت سنواتها الأولى مع مطلع الألفية، تجمع في أرشيفها ملامح تلك المرحلة: المقال والتحقيق والصورة والكاريكاتور، قبل أن يتسع مفهوم التكريم لاحقاً ليواكب الإعلام المرئي والرقمي. بعد ربع قرن، قد يصل خبر واحد إلى ملايين الهواتف قبل أن يتمكن المحرر من التأكد من صحّته. لم يعد السؤال فقط: ماذا سننشر غداً؟ بل ماذا حدث قبل دقائق؟ وهل الصورة أصلية؟ ومن يقف خلف الحساب الذي نشرها؟ وكيف نشرح الواقعة قبل أن تغطيها موجة جديدة من الأخبار؟ بين هذين المشهدين تغيّرت أدوات الصحافة وسرعتها واقتصادها. وحدها الحاجة إلى معلومة موثوقة بقيت على حالها. في مطلع القرن، احتفظت الصحافة المطبوعة بمكانة أساسية في صناعة الرأي، فيما كانت الفضائيات العربية الصاعدة تعيد رسم المجال العام. صار المشاهد يتابع الحروب والانتخابات والأزمات مباشرة، بدلاً من انتظار صحيفة اليوم التالي. ومع ذلك، ظل التلفزيون والصحيفة يعملان وفق منطق المؤسسة: هيئة تحرير، وتسلسل مهني، ومواعيد للنشرات وإقفال الصفحات. في عام 2004، عندما خضتُ تجربة التحرير لموقع إلكتروني، كانت مواقع مؤسسات كثيرة لا تزال نافذة إضافية للمنتج الأصلي، لا قلب غرفة الأخبار. كان الخبر يُكتَب للورق أولاً ثم يُرفَع إلى الإنترنت، كأن الموقع أرشيف أسرع، لا وسيط له لغته وإيقاعه وجمهوره. تدريجاً، انقلبت المعادلة. أصبح النشر الرقمي نقطة البداية، وصارت النسخة الورقية تجمع وتفسّر ما سبق أن عرفه القارئ، بدلاً من أن تكون أول من يخبره به. جاء الهاتف الذكي ثم مواقع التواصل ليكسرا احتكار المؤسسات لعملية النشر. أصبح المواطن شاهداً ومصوّراً ومعلقاً وموزعاً للخبر. وخلال الانتفاضات العربية في عام 2011، تحوّلت المنصّات إلى ساحات للتعبئة ومصادر للصور والشهادات، وإلى منافس فعلي للمراسل والمؤسسة الإعلامية. منح ذلك أفراداً وجماعات مهمشة قدرة غير مسبوقة على إسماع أصواتهم. لكنه أزال أيضاً كثيراً من الحواجز المهنية. الشخص الذي يصوّر واقعة قد يكون شاهداً مهماً عليها، لكنه لا يملك بالضرورة أدوات التحقق من سياقها أو حماية مصادرها أو الفصل بين الخبر والدعاية. بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات، كان نحو 70 في المئة من سكان المنطقة العربية يستخدمون الإنترنت في عام 2024. لكن هذا المتوسّط يخفي تفاوتاً واسعاً بين بلدان يكاد الاتصال فيها يكون شاملاً وأخرى لا يزال جزء كبير من سكانها خارج الشبكة. لذلك لم تنتقل المنطقة كلها إلى الإعلام الرقمي بالسرعة نفسها، ولم تختفِ الإذاعة أو الصحيفة أو التلفزيون؛ أصبحت الوسائط القديمة والجديدة تتزاحم على الجمهور ذاته. الخوارزمية على كرسيّ رئيس التحرير خلال عملي مسؤولاً في القسم الاقتصادي لصحيفة يومية بين عامي 2004 و2017، كان ترتيب الصفحة يعكس حكماً تحريرياً واضحاً: هذا هو الخبر الرئيسي، وهنا التحليل، وهذه المادة تستحق الصورة أو العنوان الأعرض. كان القارئ يعرف أن ما وُضِع في أعلى الصفحة اختارته هيئة التحرير لسبب مهني. اليوم، يتلقى كل مستخدم صفحة أولى مختلفة تصنعها اهتماماته السابقة وخوارزمية لا يعرف قواعدها. قد يتفوّق مقطع لمؤثر غير متخصّص على تحقيق عمل عليه صحافيون أسابيع، لأنه أقصر وأكثر إثارة وقدرة على إبقاء المستخدم أمام الشاشة. يُظهِر "تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025"، الصادر عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة" وشمل 48 سوقاً دولية، أن استهلاك الأخبار عبر الفيديو الاجتماعي ارتفع من 52 في المئة في عام 2020 إلى 65 في المئة في عام 2025. كذلك أصبحت ست شبكات رقمية تصل أسبوعياً إلى أكثر من 10 في المئة من المشاركين بالأخبار، مقارنة بشبكتين فقط قبل عقد من الزمن. هي اتجاهات دولية لا تمثل المنطقة العربية وحدها، لكنها تساعد في تفسير المسار الذي تسلكه وسائل إعلامها. قراءة التحول ممكنة في مسيرة الجائزة. ما بدأ تكريماً لفنون الصحافة ا