قبل أن تُضاء المنصة وتُفتح المغلفات وتُعلن أسماء الفائزين، تكون دورة كاملة من العمل قد جرت بعيداً من الجمهور: مشاركات تصل من مختلف أنحاء العالم العربي، ملفات تُراجع، أعمال تُفرز، لجان تناقش وتقيّم، ومعايير تُختبر كل عام أمام مهنة تتغير بسرعة. خلف ليلة الجائزة، هناك فريق يعمل لأشهُر على تفاصيل لا تظهر في الصورة النهائية، فيما يبقى السؤال الأصعب أبعد من التنظيم نفسه: كيف يمكن لجائزة عمرها ربع قرن أن تواكب إعلاماً يتغير في أدواته ومنصاته ولغته، من دون أن تخسر ثوابتها المهنية؟ في إجابات مديرة نادي دبي للصحافة مريم الملا ومدير جائزة الإعلام العربي جاسم الشمسي، تبدو خلاصة التجربة واضحة: الإنجاز ليس فقط في أكثر من 82 ألف مشاركة أو في مئات الفائزين، بل في قدرة الجائزة على الانتقال مع الإعلام العربي من زمن الصحافة المطبوعة إلى زمن المنصات والذكاء الاصطناعي، مع إبقاء الدقة والمصداقية والمسؤولية في قلب معاييرها. وحتى "الفائز" بعد 25 عاماً، مهما اختلفت أدواته، سيظل مُطالباً بما لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحه وحدها: السؤال الصحيح، الحكم المهني، فهم السياق وصناعة المعنى. رسم زمني لنشأة جائزة الإعلام العربي وتطوّرها (تصميم النهار). مديرة نادي دبي للصحافة مريم الملا، ومدير جائزة الإعلام العربي جاسم الشمسي، يفتحان في حديثهما لـ"النهار" بعضاً من كواليس هذه الرحلة، ويتوقفان عند التحول الذي عرفته الجائزة، وعند تحدي الذكاء الاصطناعي، وثوابت المهنة التي لا يمكن أن تتغير، والعمل السنوي المتواصل لفريق الجائزة خلف المشهد. بالنسبة إلى مريم الملا، لا يمكن اختصار إنجاز الجائزة بعدد الفائزين أو باتساع الحضور العربي، على أهمية الاثنين. فالإنجاز الأهم، في رأيها، هو قدرة الجائزة على مواكبة تطور الإعلام العربي من دون التنازل عن ثوابتها المهنية. عندما انطلقت عام 1999 تحت اسم "جائزة الصحافة العربية"، كان المشهد الإعلامي مختلفاً جذرياً. الصحافة المطبوعة كانت في قلب الصناعة، والمنصات الرقمية لم تكن قد أعادت بعد رسم العلاقة بين المؤسسة والجمهور. ومع التغيّر المتسارع، تطورت الجائزة نفسها، إلى أن تحولت عام 2021 إلى "جائزة الإعلام العربي"، في انعكاس مباشر لاتساع مفهوم الإعلام وتنوع أدوات إنتاج المحتوى وتوزيعه. وتشير الملا إلى أن الأرقام تبقى دليلاً على حجم هذا الحضور. فقد تلقت الجائزة أكثر من 82 ألف مشاركة من مختلف أنحاء العالم العربي، وكرّمت نحو 360 إعلامياً ومؤسسة إعلامية، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية للجوائز 22 مليون درهم. لكن الأهم، بالنسبة إليها، هو أن تصبح الجائزة جزءاً من مسار تطور الإعلام العربي نفسه، وأن تسهم من خلال معاييرها وفئاتها والأعمال التي تكرمها في رسم صورة الإعلام الذي تريد تشجيعه: إعلام يقوم على النزاهة والإبداع والمسؤولية. هذا الرهان يصبح أكثر تعقيداً في زمن الذكاء الاصطناعي. فالمشكلة، كما تقول الملا، ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية ضمان أن تبقى التكنولوجيا في خدمة القيمة المهنية لا بديلاً عنها. فالمنصات والذكاء الاصطناعي أحدثا تغيرات عميقة في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وقلّصا الحدود الفاصلة بين الصحافي والإعلامي وصانع المحتوى. من هنا، ترى أن السؤال لم يعد: هل يستخدم الإعلامي التكنولوجيا؟ بل: ماذا أضاف الإعلامي إلى ما تستطيع التكنولوجيا أن تنتجه؟ وهنا تحديداً تظهر قيمة الإنسان: في التفكير النقدي، والتحقق، وفهم السياق، وصناعة المعنى، وتحمل مسؤولية المحتوى. أما جاسم الشمسي، فينظر إلى المستقبل من زاوية "الفائز" نفسه. بعد 25 عاماً، قد يكون الإعلامي الفائز مستخدماً متقدماً للذكاء الاصطناعي، ومتمكناً من البيانات، وقادراً على العمل عبر أكثر من منصة وإنتاج محتوى متعدد الأشكال، لكن جوهر التميز، في رأيه، لن يتغير. المصداقية والدقة والاستقلالية في التفكير واحترام عقل المتلقي والمسؤولية تجاه المجتمع ستظل قيماً أساسية مهما تبدلت التكنولوجيا. والفارق لن يكون في امتلاك الأدوات وحده، بل في القدرة على طرح السؤال الصحيح، والبحث عن الحقيقة، وربط المعلومات بسياقها الإنساني والمجتمعي. ويشير الشمسي إلى أن هذه الفلسفة ليست منفصلة عن طريقة عمل الجائزة نفسها، التي تطورت باستمرار مع تحول الإعلام، لكنها حافظت على هدف أساسي: تحفيز الإبداع وتكريم الأعمال التي تضيف قيمة حقيقية إلى الإعلام العربي. وفي المقابل، هناك جانب كامل من الجائزة لا يراه الجمهور. فليلة إعلان النتائج ليست سوى الجزء الأخير من دورة طويلة تبدأ قبل أشهر. استقبال الأعمال وفرزها، التأكد من استيفائها الشروط، مراحل التقييم والتحكيم المتخصصة، ثم الوصول إلى القوائم النهائية، كلها خطوات تحتاج إلى منظومة دقيقة تقوم على العدالة والحياد والشفافية. ويقول الشمسي إن لجان الفرز والتحكيم تضم أكاديميي