لماذا يدافع "حزب الله" عن الدولة العميقة؟ العملات اللبنانية القديمة عليها شعار "لا لنظام الأقلية المارونية نعم للجمهورية الإسلامية" (كتاب الجمهورية الإسلامية في لبنان - أرشيف أمم للتوثيق والأبحاث في نص الرسالة المفتوحة التي وجهها الى المستضعفين في لبنان والعالم مبينًا فيها تصوراته ومنهجه في 16 شباط 1985، أعلن "حزب الله" مواجهته النظام الذي قائمًا وقتها لاعتبارين، الأول كون هذا النظام صنيعة الاستبكار العالمي وجزء من الخارطة السياسية المعادية للاسلام، والثاني كونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع بل لا بد من تغييرها من جذورها "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، وبذلك أعلن "حزب الله" جهارًا عداءه ورفضه ومواجهته للنظام والدولة اللبنانية "الظالمة" و"الكافرة" وأجهزتها، وكان خارجها ومعطلا ومهدمًا لها طيلة الفترة التي سبقت اتفاق دمشق عام 1990. مع إقرار اتفاق الطائف وإنتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عسكريًا، وبموافقة إيرانية، التزم "حزب الله" بالتعاليم الأسدية التي منعته من الدخول إلى "الجنة الحكومية"، مفتتحًا علاقته بالنظام "الكافر" و"الظالم"، بالدخول إلى المجلس النيابي من خلال كتلة "الوفاء للمقاومة" في صيف 1992، ضمن ضوابط سورية صارمة تسمح له بالعمل العسكري تحت مسمى "المقاومة" مع اتخاذه صفة المعارضة المضبوطة ضمن إطار العمل النيابي، لإبقاء التوازن المطلوب في الساحة اللبنانية التي تسمح لحافظ الأسد بالاستمرار بتوكيله الملف اللبناني برضى أميركي سعودي، ويجوز التذكير بانتخابات عام 1996 عندما تم اسقاط مرشحي "حزب الله" في بعبدا وبيروت تأديبًا لـ"حزب الله" بسبب سعيه لإنشاء تحالفات انتخابية بمواجهة حركة "أمل" ومن دون الحصول على الرضى الأسدي، كما إسقاط "حزب الله" في الانتخابات البلدية الأولى بعد الحرب الأهلية عام 1998 في بعلبك بعد رفضه القيام بائتلاف انتخابي فيها. استمر هذا الواقع حتى وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد في 10 حزيران 2000، حيث انتهى عصر الاحتواء ليبدأ عصر التمدد لـ"حزب الله" في لبنان ودولته. التمدد مع دخول بشار الأسد تحت العباءة الايرانية مع تسلم بشار الأسد الحكم في سوريا في 17 تموز 2000، بدأت التوازنات تتبدل، وأضحى النظام الأسدي في الحضن الإيراني، وتصدر "حزب الله" الريادة عند بشار الأسد، وبدأ بالتمدد على الصعيد الأمني وتفعّل عمل اللجان الأمنية وخرج أمن "حزب الله" من المربع الأمني (الشورى) في الضاحية الجنوبية ليشمل معظم الضاحية الجنوبية، وأضحت تحركات "الحزب" أكثر يسرًا بفعل البطاقات الأمنية التي أضحت تصدر من اللجنة الأمنية في "الحزب" والتي التزمت فيها الأجهزة الأمنية اللبنانية، وبدأت تظهر سطوة "حزب الله" باكتساحه الانتخابات البلدية عام 2004 في البقاع والضاحية، وتحول "حزب الله" من المعارضة إلى دعم الحكومات خاصة مع حكومة الرئيس عمر كرامي عام 2004. بعد صدور القرار 1559 والتمديد للرئيس إميل لحود في أيلول 2004، واغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وصولا إلى ثورة 14 آذار وانسحاب جيش نظام الأسد في 26 نيسان 2005 منهيًا احتلالا للبنان استمر حوالى ثلاثين عامًا، استبدلت الحصة الأسدية في الحكومة بحصة إيرانية عبر "حزب الله"، فكان أن تولى طراد حمادة المقرب من "حزب الله" وزارتي العمل والزراعة في حكومة الرئيس ميقاتي الأولى، فكانت باكورة دخول "حزب الله" إلى السلطة التنفيذية، وبدأت مرحلة جديدة في مسيرة "حزب الله" مع الحكومة. وبدأت مسيرة "الحزب" في التمدد في الإدارات اللبنانية، فكانت المشاركة الواضحة في حكومة الرئيس فؤاد السنيوة الأولى من خلال الوزير محمد فنيش بتوليه وزارة الطاقة. لم يطل الأمر كثيرًا حتى بدأ "حزب الله" يعمل على التأثير على القرار الحكومي اللبناني والسيطرة عليه فبدأ بأسلوب التعطيل والميثاقية في حكومة السنيورة مع إعلان وزراء "الثنائي" الاستقالة ثم الاعتكاف في تشرين الثاني 2006 على خلفيَّةِ تحديد السنيورة جلسةً لإقرار مسودّة المحكمة الدوليَّة، تبعه في كانون الأول اعتصام وسط بيروت وتظهير مصطلح "الديمقراطية التوافقية"، وصولا إلى أحداث 7 أيار 2008 التي استطاع من خلالها "حزب الله" وحلفاؤه انتزاع ما يسمى بالثلث المعطل في ما عرف باتفاق الدوحة وصيغة الوزير الملك. وبذلك، استطاع "حزب الله" فرض أعراف جديدة سيّر بها الحياة السياسية اللبنانية وفق أهدافه وتكتيتاته ومصالحه، فكان إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني 2011 وهو يدخل إلى لقاء في البيت الأبيض إعلان لنهاية حقبة التعطيل والتسويف ودخول حقبة السيطرة والفرض. الدولة العميقة في رعاية "الحزب" بعد اندلاع الثورة السورية بثلاثة أشهر، تدخل "حزب الله" بما له من مكانة ومونة وقدرة على كسر الأعراف والميثاقيات، بما فيها الميثاق الوطني اللبناني والتوزيع